مذكرات ما قبل النوم (2)
..
ألقيتُ بجسدي على الأريكة كقطعة قماشٍ بالية ، وتركتُ لإبهامي حرية الانزلاقِ على شاشة الهاتف في هذه المقبرة الرقمية التي نُسميها "فيسبوك" كنتُ أبحثُ عن أي شيء يوقظُ خلايا دماغي المتبلدة بعد يومٍ طويل ، لكنّني كنتُ كمن يبحثُ عن إبرةٍ في كومة من... التفاهة وفجأة ، توقف الإبهام ، وتسمّرت عينايْ لقد اصطدمتُ بالبيت اللعين.
سطر واحد من الكلمات المتنافرة ، كُتب بخط ديواني مزخرف فوق صورة لشاب ينظر إلى الفراغ بنظرة "المفكر المعذب" وفي يده كوب قهوة تصعد منه أبخرة درامية. يقول البيت :
أنا انكسارُ الضوءِ في شريانِ غيمةٍ
تبكي لأن البحرَ لم يغسلْ أسنانَهُ
رمشتُ مرتين ، قرأته من اليمين إلى اليسار ، ثم من اليسار إلى اليمين ، ظناً مني أن هناك شفرة سريالية لم أبلغ مقامَ فهمِها بعد هل يقصد التلوث البيئي؟ هل هي استعارة معنيّة من الاحتباس الحراري؟ والكارثة الحقيقية لم تكن في هذا الهذيان نفسه ، بل في الطوفانِ الذي اجتاحَ المنشور ، مئات الإعجابات ، قلوب حمراء تتطاير كأسراب جراد ، وتعليقات تصيبك بجلطة لغوية "الله على هذا النزف" "يا أمير المجاز ، لقد عرّيت أرواحنا" وآخرٌ يطالبُهُ بإصدارِ ديوانٍ فوري قبل أن تُحرم البشرية من هذا الإعجاز الفلسفي ابتسمتُ بمرارة وهمستُ للشاشة :
إذا كان هذا نزفاً أدبياً ، فأنا بحاجة إلى نقل دم فوري
أوجعني رأسي ، نظرت إلى رفوف مكتبتي في الزاوية ، تلك التي تئن تحت وطأة المتنبي ، والمعري ، والجاحظ تخيلت لو أن أبا الطيب بُعث اليوم ، ورأى هذا "النزف" غالباً كان سيبيع حصانه وسيفه وقرطاسه ، ويفتح كشكاً لبيع الشاورما ، فهذا أفضل له من الانتماء إلى هذا الكرنفال العبثي.
نحن نعيش في زمن الاستهلاك السريع لكل شيء ، حتى المشاعر واللغة والقصيدة التي كانت تُنحت من صخر المعاناة وتُعجن بدم القلب ، صارت تُسلق في دقيقتين مع فلتر إضاءة خافت وموسيقى حزينة في الخلفية والمؤلم في هذا السيرك ، أن الكُتّاب الحقيقيين ، أولئك الذين يحملون أرواحهم على أكفّهم وينسجون من أوجاعنا أدباً حياً ، يكتبون في صمت ، ويموتون في صمت ، بينما يتصدر المشهدَ مُتسلقون لا يفرقون بين التاء المربوطة والمفتوحة.
حاولت أن أتجاوز المنشور ، لكن خوارزميات التطبيق اللعينة اعتقدت أن وقوفي المصدوم هو علامة "تأمل وانبهار" فأمطرتني فوراً بمقاطع فيديو ل "شعراء حديثين" يصرخون في الميكروفونات ، ويهتزون كأنهم في زار ، يلقون كلاماً لا علاقة له بالشعر ولا بالنثر ولا حتى بحديث المقاهي ، بينما الجمهور الحاضر يصفق بحرارة جنونية
تذكرت مقولة قديمة عن أن "الشعر ديوان العرب" وتساءلت :
وأي ديوان هذا الذي تُكتب صفحاته بمزيل العرق؟ هذه ذائقة تحتاج إلى إعادة ضبط المصنع.
رميت الهاتف على الطاولة بقوة كادت تهشم شاشته ، فليذهب هذا العالم الافتراضي إلى الجحيم ، ومعه كل أمراء المجاز المزيفين.
تسللت إلى سريري باحثاً عن عتمة ترحمني من هذا التلوث البصري والفكري ، أغمضت عيني بقوة ، مستجدياً النوم أن يسحبني إلى أي حلم خالٍ من الحروف الأبجدية. لكن عقلي ، الذي تبرمج للتو على العبث ، أبى أن يتركني في حالي. بدأت الكلمات تتراقص في رأسي كعفاريت صغيرة. كلما كدت أغفو ، يصرخ صوت في داخلي "البحر لم يغسل أسنانه"
حاولت الاستعانة بالحيلة القديمة وعدّ الخراف لأنام. تخيلت خروفاً يقفز فوق السياج ، ثم ثانياً ، ولكن الثالث توقف فجأة التفت إليّ بنظرة عميقة ، أخرج ورقة من تحت صوفه ، وبدأ يلقي عليّ قصيدة نثرية عن معاناة العشب تحت حوافر القطيع
فتحت عيني في الظلام الدامس ، زفرت بحنق ، وأيقنت أن الليلة طويلة جداً ، وأنني سأدفع ثمن قراءة ذلك "البيت اللعين" من رصيد أعصابي.. وربما، كان عليّ أنا أيضاً ألا أغسل أسناني هذه الليلة تضامناً مع البحر !!!
..
–غيث جسري 🖊🖊
#مجتمع#شعر#يوميات#غيث_جسري