أنقاض الذكری
أنقاضُ الذكرى.
تأخذني من عبقِ التاريخِ الأدهى صورُكْ..
حين يحتشدُ المجدُ الأعلى فيكْ،
والعظمةُ ترفعُ معناها:
قبعةٌ ستحيّي بلدي،
وغيومٌ سترفرفُ فيهْ.
يأخذني نبراسُ الدهشةِ
حين لا تذهبُ للكونِ وحيداً؛
بل تحملُ أرضاً في قلبكْ..
وتمرُّ بين جنباتِ الكونِ فخوراً تتباهى..
يا تاريخَ بلادٍ لم يُطو،
لم تذهبْ أسفارهُ في طرقاتِ الوهمْ!
كنتَ النورَ لأحفادِ المجدِ الأعلى..
فوقَ قِمامِ الفخرِ البلقيسي،
وعلى سفوحِ مدائنِ "تُبّعْ"،
حيث تلاقت في الصبحِ رواسٍ..
وانتصبت أطوادُ الخلدْ.
لا أسألُ أحداً عنك.. لأنك:
لم تتحول للماضي،
لم تصبح ذكرى عابرةً للأيام،
لم تَغْدُ هَمْسَاً وَحَنِيْنَا..
لأنك في الحاضر والماضي والمستقبل؛
كُنْتَ بِلَادَاً تَشْبِهُنَا.. نَشْبِهُهَا.
يحملُ أوجَاعَ بلادي، ورُبَاها..
ويحملُ أزهارَ الأعياد، ورنينَ المغنى،
وحياةَ الفلاحين، وفخرَ القادة، وزهوّ الكتّاب..
يا لغةً عجزت شفةُ الكونِ أن تنطقها؛
في نورِ قصيدةِ طفلٍ لم ينضج بعد،
في البحرِ الأدهى للشعراء،
في تفعيلةِ أناتِ المخذ ولين،
في تنهيدةِ عازفِ قيثارة،
في بسمةِ أنثى وشفاها!
من أنتَ يا أولَ من خـ ـنّاه؟
يا ثاني من شاءَ لنا أن نحيا.. فذ بحـ ـناه!
يا أرفعَ من كتبَ المجدَ الأيلولي في أرضي..
وأدارَ حماها..
ذكّرني: من كنتُ أنا؟
علّ الذكرى تنفعني فأعودَ أصيلاً.. يمنياً حراً!
أعرفُ قيمةَ أجدادي كي أبعثَ أمي وعلاها،
وأسافرَ مظفوراً بيقينِ النصرِ لأروى..
كي أنفخَ في جسدِ الأيامِ حياةً مُثلى؛
صادرها الأ فا كون، وغـ ز اها الأو باش،
وتخلى عنها قادتنا الظرفاء،
والآتي في سربِ الليلِ نساها..
كي أغدو شرفاً لا يفنى عن وجهِ الشمسِ والقمرِ الأنقى..
يا أنت يا رمزَ الأجيال،
وخلاصةَ أطوادٍ وجبال،
وربىً شاهقةً لم تدنُ أبداً لليل..
سأخبرُ "علي عبد المغني" أنك صُنتَهْ،
و"عبد الرقيب" أنك لم تخذله،
و"محمد محمود" أنك لم تتخلَّ عن مجده،
ولم ترخص صوت "السلال".
لم تنسَ اليمنُ الكبرى صوتك،
ذاتَ خطابٍ أعظمَ من ألفِ كتاب..
يا من لم يحنِ رأسَ الثـ ـورةِ يوماً،
أو يرضى للـ ثو ارِ هوانا،
أو يرضى بسـ قوطِ أعمدةِ العرشِ الأعظم..
يا أنت.. لن تنساكَ الأرض،
كلا.. ولا أبناءُ الأرض.
كيف أغامرُ في ليلِ الأسطرِ حين أصيغُ الكلمات؟
أو أبعثُ أشعاري وطناً،
أو لحناً عربياً يبحرُ بي شرقاً أو غرباً،
ويسافرُ بي خلفَ البلقان.. وخلفَ أسوارِ أوروبا،
وأعودُ كي أشربَ قهوةَ أمي في رمضان..
وأكتبُ في ذكرى الأوطان:
"باعَ الغرباءُ بلادي"..
قـ تـ ـلوا أحبابي..
سجـ نوا أقراني ورفاقي،
وأضاعوا عمرَ وليدٍ خلفَ القضبان.
ماذا لو عدتَ قليلاً لضحاها؟
لكني أحيا في أرضٍ لا ضحواتٍ فيها.. لا إصباح!
نجواها مـ و تٌ وس ـم ـوم،
وهواها تشويهٌ وجراح.
أرضٌ لا ترحمُ أناتي.. لا تسمعُ صوتي وأنيني،
وأنا وحيدٌ في قلبِ مدينةِ أشباح،
وسرابِ أناسٍ تحسبهم بشراً..
نحن نعرفها حقاً ونراها،
ونلمسُ ما فيها من آهات.
دعني أعرضُ تقريري كي تخبرَ "طه":
كنتُ أسير، ومعي حزني وهمومي في الشارع..
آتٍ من سوقِ القات،
وبحوزةِ قلبي أحلامٌ تتبخرُ كخطاي،
كبقايا إنسانٍ تعصرهُ أوجاعُ الناس..
فيموتُ غلباً لا يقوى أن يأخذَ حقَّ المغلوبين،
من كفٍ تصفعُ خدَّ الضوءِ بأقوى الآيات.
كنتُ أرى أجساداً تتلوى جوعاً،
وعيوناً لا تذرفُ دمعاً بل حسرات..
وأسيرُ منكسراً يجمعني أملٌ في روحي وفؤادي،
وأمانٍ تتغنى ببلادي.. آهٍ آه!
دعني منهم.. سأغيّرُ سيري،
أوقفتُ الباص..
فأشارَ السائقُ لي أن أركب؛
رائحةُ الجـ ـوعى، وأنـ ـينٌ في جوفِ ثكالى، وعذ ابُ الأيتام..
أشـ ـباحٌ لا ترحمني أبداً حتى في الباصات!
منذ شهورٍ..
لم أسمع أغنيةً تمنحني "جوّ مفارق"،
أو "جوّاً حزيناً" قدّس إحداهنَّ وخاب..
لما قالت تلك لهذا:
"لا أرغبُ في حياةٍ تربطني بشخصٍ مثلك.. مجـ ـروحاً وجر يح".
ولأني كالريح، أعتدُّ بنفسي،
لا أرضى أن أبقى خلفَ الأبواب؛
فضلتُ صمتي ونزيفي، وبقيتُ أنتظرُ الأقدار.
لا زالت لؤلؤتي..
لكني لا أملكُ ما أقنعها به كي تفهم؛
أني أعطيها عرشاً ومداراً وخلوداً من فوقِ الغيمات..
دعني أكملُ تقريري لا تأخذني لحديثٍ آخر؛
هذي المدينةُ لا ترحمُ إطلاقاً..
هي يا هذا في الإعلامِ مظاهر،
صلواتٌ تملأُ أرجاءَ المعنى،
لا فعلٌ يعبرُ للسماوات..
غيرُ حنينِ الأرضِ لساكنها الأول،
لصورٍ عالقةٍ في الوجدان..
لا زالت تأخذنا أقواماً.. وفرادى..
فنغني للمجدِ ونغني للأوطان..
سنغني نـ يراناً ومياهاً،
وحنيناً تصنعهُ الأوهام،
وفداءً تحملهُ آفاقُ القولِ الأدهى..
وترتلهُ آهـ ـاتٌ جلاّها.
#وليد_الربوعي
13 مشاهدة