مهد الطفولة
كأنني حين أخطو إلى المخيم
أعودُ إلى رحمٍ قديم منحني الحياة يوما
إلى رائحة الخبز المختبئ في التنور
إلى أصواتٍ كانت تكبر في الفجر مع أذانٍ مبحوح
وأطفالٍ يركضون نحو مدارس الغوث
كأنهم يركضون إلى وطنٍ مصغّر
تتسع جدرانه لحلمٍ أكبر من العمر
هنا... بين الحارات الضيقة
تعلمتُ أن البيوتَ لا تُقاس بمساحتها
بل بحرارة قلوبٍ تتسع لكل جار
هنا العزاءُ فرحٌ من نوعٍ آخر
والفرحُ عزاءٌ مؤجل
والأيدي تتشابك حول الخبز والهموم
كما لو كانت صلاةً طويلة
على الجدران
رأيتُ فلسطينَ في ألف وجه:
حنظلةُ يعطينا ظهره كي لا نخذلَه
محمد الدرة يمد ذراعيه لسماءٍ لم تحمه
فارس عودة يرمي الدبابة بحجر كأنه كرة من لهب
الياسين على كرسيه المتحرك يقودنا لدرب التحرير
السنوار يطلّ من بين الركام يغني للحرية الحمراء
والملثم يعبر الليل كبرقٍ يضيء الطريق
الجدران هنا ليست حجرًا
إنها نصوصٌ مقدسةٌ بالدم والصبر
كل صورةٍ فيها نافذةٌ على بيتٍ مفقود
أو علمٍ يرتجف فوق بحرٍ من المنافي
في المخيم
كل حدثٍ في فلسطين لم يكن خبرًا
بل دمعةً في عين أمّ
أو زغرودةً تخرق جدار الليل
أو صفيرَ حجرٍ يعلن..
إننا باقون
وحين أجلس عند عتبة البيت الذي ولدتُ فيه
أسمع طفولتي تناديني بأسماء صديقاتي
أشمّ حبر دفاتري القديمة
وأرى علمًا صغيرًا رسمتُه على الهامش
قد كبرَ وصار وطنًا يمشي في الشوارع
المخيم ليس مكانًا
إنه ذاكرةٌ جماعيةٌ تنبض في صدري
إنه قلبٌ منفيٌّ يواصل النبض لفلسطين
وأنا... كلما عدتُ إليه
أدركتُ أن جذوري لا تُقتلع
وأنني ولدتُ من رحم المخيم
كما يولد القمح من الشقوق بين الصخور
#ايمان_محمد_زيادة #مجتمع
28