#وللحديث_بقيّة
وكأنّ رأسي مجموعة "دكاكينٍ" يتهافتُ على بضاعته الصائمون، يتزاحمون بحثًا عن صندوقها الأسود.. وأنا أسودِها الوحيد!
لا ينجوا من الزحام من كان متأخرًا، وقد يخرج فوجٌ تاركًا شارعًا أو ساقًا أو حلقةً ناقصة أو وصلًا مقطوعًا ثمنًا كدفعةٍ آجلة على دفتري المليء بالفواتير. وتقتنص جيوشٌ من النمل الفرصة لتحفر ممرًا تلتقط عبره البقايا التي تتساقط من الأفواه..اللعنة كم يروق لي عناء هذا الكائن الصغير، أراقبهم وهم يحملون ضِعف حجمهم بيدين رقيقتين على صراطٍ لا يبصره إلا من غرز وجهه في القاع، إلا من اقترب من تعاسة الأحذية التي تصرخ في أحشائها رائحة المتعَبين…وتروق لي معارك الذباب في حلبةٍ كل مشاهديها؛ بشريّون بغباءٍ اصطناعيّ يتحكم في إعداداتهم؛ أجهزةٌ ملعونة. ليس لها قناة هضمٍ أو فالوب..أعشق تلك اللعنات التي يعجز بعضنا من إشهارها لارتفاع سعرها في السوق. هم لا يعلمون شيئا عن بضاعتي المستعملة التي تختبئ في العروق، ملتزمةً الصمت إلى أن تتحرش بها الأصابع الثلاث، فتخرج على شكل كراتٍ بيضاء لتهاجم احمرار الجلد لحظة انطلاق حفيف البطون الجائعة. لحظة ارتكاب الجريمة، لحظة ارتياد اللصوص على شفتيّ، لحظة انسدال الذاكرة على كؤوس الندم، لحظة انتصار الوقت على انتهاء المعركة.. لحظة بلوغ الصبية في طابور الصباح ولحظة ارتفاع درجة حراتي إلى حد المخاض…
هذه الرأس وعن قصدٍ عليّ تأنيثها؛ يقتحمها المسافرون، يبحثون داخلها عن الأسرّة، عن الأقمشة البالية، عن الأحذية، عن القطع المعدنية المهملة، عن الوجوه المستعارة، عن المفاتيح الصدئة، عن أقلام الحبر الأسود وأقلام الرصاص القاتلة وأقلام "الرّوج" المكسّرة ورؤوسها الضالة بين الصناديق.. حاولت ذات ليلٍ إغلاق البوابات والفرار إلى خارج المدينة، الفرار إلى "رجلٍ" يمتهن الطب! فوجدت الشبه سرًّا مرعبًا حد التطابق. نسخة ذكورية عنّي؛ حيث لا مكان يحتمل التوقف عن الدوران، كوكبةٌ أخرى من النجوم الساحرة، بضاعةٌ مختلفة عالية الدقة في تفاصيلها الباهظة.. لعنات حجمها مخيف؛ فتنة، غواية، ألم، دمار، حرب، موت رفيع، رأسها هرم، صوتها رماح، بريقها رعد، سقوطها محرقة… ماذا أقول عن رجلٍ في جوفه بلدةٌ عتيقة ومكتبةٌ وقلم؟! … هل يبتلعني ضعفي أم أني ابتلعت النار؟ … وكم رجلًا برتبةِ رأس!
#وللحديث_بقية
10 مشاهدة