المخيم
أشدُّ العَيش أن تحياه نصفا
وترضى من جراحِ الموتِ ضِعفا
أَمُوتُ مَعَ الْقَصَائِدِ كُلَّ لَيْلٍ
كَأَنِّي كَاتِبٌ بِالشِّعْرِ حَتْفَا
وأبذل في القصيدة كلّ روحي
وأروي حرفها دمعًا ونزفا
أُدَارِي فِي قَوَافِيهَا جِرَاحًا
لِأَسْتُرَ عَنْ عُيُونِ الناس ضَعْفَا
أصلّب في جذوع الوجد شعري
فيقطر من نزيف القلب حرفا
وما كتبت يدي ترفًا ولهوًا
ولكنّي عُسفت إليه عسفا
أُتَرْجِمُ لَوْعَتِي لَحْنًا شَجِيًّا
وَأَجْعَلُ مِنْ أَنِينِ النَّبْضِ عَزْفَا
أُكَابِدُ فِي دُرُوبِ الغرّب وجدًا
يَفُوقُ بَيَانَ كُلِّ النَّاسِ وَصْفَا
غَرِيـبٌ فِي زِحَامِ الهمّ أَمْشِي
وَلَمْ أُبْصِرْ بِهَذَا الْكَوْنِ إِلْفَا
غَرِيـبٌ لَا الْمَنَافِي أَنْصَفَتْنِي
وَلَا جذعٌ يَهُزُّ إِلَيَّ سَعْفَا
كَأَنِّي يُوسُفٌ.. وَالْبِئْرُ خطوي
وَقَافِلَةُ الإياب تمرّ خلفا
وذئب الفقر ينظر في عيوني
أخاف هجومه إن رُمت هتفا
صَدَقْتُ مَعَ الْحَيَاةِ بِكُلِّ نَبْضٍ
فكانَتْ تترع الكاسات زَيْفَا
تَمُرُّ سِنِيُّ هَذَا الْعُمْرِ عَدْوًا
وَتَخطفُ بَهْجَةَ الْأَيَّامِ خَطْفَا
أُقَارِعُ هَذِهِ الْأَيَّامَ وَحْدِي
وَلَمْ أَحْمِلْ سِوَى الْأَشْعَارِ سَيْفَا
وَأَسْأَلُ لَيْلَتِي: هَلْ مِنْ صَبَاحٍ
يُعِيدُ لِقَسْوَةِ الْأَقْدَارِ عَطْفَا؟
تَمُرُّ الذِّكْرَيَاتُ عَلَى خَيَالِي
فَتَتْرُكُ فِي سَمَاءِ الرُّوحِ طَيْفَا
أُسَافِرُ فِي دُرُوبِ الذِّكْرِ طِفْلًا
يُفَتِّشُ عَنْ حَنَانِ الْأَمْسِ لَهْفَا
أَعُودُ إِلَى الْمُخَيَّمِ فِي خَيَالِي
بِأَبْنِيَةٍ غَدَتْ لِلْعزّ كَهْفَا
فَكَمْ أَشْتَاقُ (بابورًا) قَدِيمًا
وَكُوزُ الشَّايِ كَمْ أهْوَاهُ رَشْفَا
وَأَشْتَاقُ الرِّفَاقَ وَسَاحَ لَهْوٍ
نُطَارِدُ ظِلَّنَا وَنَدُورُ طَوْفَا
أَنَا ابْنُ زُقَاقِهِ الْمَنْسِيِّ أَمْشِي
وَأَحْمِلُ سِرَّهُ لِلنَّاسِ كَشْفَا
فحارتنا المحفّرة اسْتَبَاحَتْ
دُمُوعَ الْغَيْمِ لَمَّا سَلن وَكْفَا
ولم يكُ ذاك عن عيبٍ ولكن
رِواءُ الطير إحسانًا وعرفا
هِيَ الْحَارَاتُ حَاضِنَةُ الْمَآسِي
وَمَا رَكَعَتْ لِقَهْرِ الْبُؤْسِ خَسْفَا
مُخَيَّمُنَا وَإِنْ ضَاقَتْ رُؤَاهُ
يُخَبِّئُ فِي حَنَايَا الرُّوحِ حَيْفَا
وَأَكْيَاسُ الْوِكَالَةِ حَامِلَاتٌ
قراطيسٌ بلاهَا الدَّهْرُ نَتفَا
طَوَابِيرُ الْإِعَاشَةِ مَا بَرِحْنَا
نُكَابِدُ طُولَهَا مَشْيًا وَزَحْفَا
وَفِي غرف الْمَدَارِسِ كَمْ صَمَدْنَا
نُشَاطِرُ بَعْضَنَا كُتُبًا وَصُحْفَا
طَبَاشِيرُ الْمُعَلِّمِ فِي يَدَيْهِ
سِلَاحٌ يَقْذِفُ الْمُحْتَلَّ قَذْفَا
يُعَلِّمُنَا بِأَنَّ الْأَرْضَ عِرْضٌ
وَلَا تُشْرَى وَلَا تُبتاع صَرْفَا
نُغنّي مَوْطِنِي وَالْبَرْدُ يَكْوِي
أَنَامِلَنَا... فَلَا نَشْكُوهُ رجفا
وَأَذْكُرُ أُمِّيَ الشَّمَّاءَ لَمَّا
تُرَتِّلُ ذِكْرَهَا فِي اللَّيْلِ زُلْفَا
تُخِيطُ قَمِيصَنَا رَقْعًا بِرَقْعٍ
لِتَستر عَنْ عيون الناس عُجْفَا
مُجَعَّدَةُ الْيَدَيْنِ بِهَا جَلَالٌ
يَفِيضُ سَكِينَةً وَيَفِيضُ لُطْفَا
تحنّ لتلكما الدنيا خدودي
تُدَثِّرُنِي إِذَا أَغْمَضْتُ طَرْفَا
وَصَوْتُ أَبِي، كَأَنَّ الْأَرْضَ فِيهِ
يُخَبِّئُ مِنْ عَنَاءِ الْكَسْبِ عُنْفَا
تُكَابِدُ كَفُّهُ صَخْرَ الْمَآسِي
وَلَمْ يَسْأَلْ لِهَذَا الْعِبْءِ حَذْفَا
يصَلِّي وَالدَّيَاجِي بَاكِيَاتٌ
وَيدْعُو اللهَ فِي الْأَسْحَارِ خَوْفَا
يُحَدِّثُنَا عَنِ الإسلام فخرًا
وَيَقطف مِنْ ثِمَارِ العلم قَطْفَا
عن الأجساد إن صارت وعاءً
لأفكارٍ تُحال بهنّ عصفا
ونارٍ حرّها قد حال بردًا
ومِنسأة تشق البحر نصفا
إذا قتل الطغاة بنا نبيًّا
بعثت مثيله في الناس ألفا
فَلَسْتَ مُبَدِّلًا بِالذُّلِّ عِزًِّا
وَلَا ترضَى مَعَ الْأَيَّامِ خَسْفَا
ولَا نكُ إِمَّعَاتٍ فِي الْبَرَايَا
ولكن مِنْ كِرَامِ النَّاسِ صِنْفَا
فَكَيْفَ أَخُونُ يَا أَبَتِي قَصِيدِي
وَأَخْفِضُ دُونَ طَيْرِ الْحَقِّ كَتْفَا
سَأَكْتُبُ ثُمَّ أَكْتُبُ رَغْمَ جُرْحِي
وَأَجْعَلُ مِنْ بحور الشعر قَصْفَا
وَأَبْقَى صَامِدًا فِي وَجْهِ حُزْنِي
وَأَجْعَلُ مُهْجَتِي لِلْبَوْحِ وَقْفَا
وَإِنْ طَالَ الظَّلَامُ فَفِي ضُلُوعِي
شُمُوسٌ لَا تُطِيقُ اللَّيْلَ سَقْفَا
حَمَلْتُ حَقِيبَتِي، وَرَمَيْتُ خَوْفِي
لِأَبْحَثَ عَنْ رَبِيعٍ فِيه مرفا