من رمضان إلى العام..
كأنّك في رمضان كنتَ محمولًا على بساط النور، تخترق الحُجب، وتدنو من أبواب السماء، فإذا انتهى الشهر، شعرتَ وكأنك تُسحب إلى الأرض فجأة، وتفقد شيئًا فشيئًا حلاوة العبادة، ويثقل الجسد، وتغدو الطاعة أمرًا مرهقًا، والمصحف بعيدًا، والذكر ثقيلًا على اللسان. تتخطَّفك الأرض فربما تهوي بك إلى مكانٍ سحيق! فلماذا كنتَ في رمضان تسبق إلى المصحف، وتستيقظ بلا كسل، وتبكي في السجود بلا عناء؟
إن تعجبتَ كيف يسهل على العبد ما يشق عليه في سائر العام، فانظر إلى ما يسبق رمضان من تهيئة وتآزر النفوس ويعيش الجميع في روحانيةٍ جماعية تحمله إلى حيث لم يكن يحسب أنه يستطيع. ثم انظر كيف يُرفع هذا كله فجأة، فإذا النفس عاريةٌ بلا مدد، وإذا العبد وحيدٌ أمام امتحان الثبات.
في رمضان:
• يخفف الله على عباده بتصفيد الشياطين، فيكفيه استحواذهم عليه. وإنما يُؤتى العبد فيه من عاداته التي اكتسبها بنفسه طيلة حياته قبل دخوله هذا الشهر.
• يهيَّأ الجو العام فيه للعبادة، منذ بداية اليوم لنهايته، وكأنه اتفاق كوني لهذه التهيئة.
• جماعية العبادة فيه؛ الإنسان بطبيعته يتأثر بالمحيط الذي يعيش فيه؛ فالعبادة تصبح أسهل حين تكون محاطة به من كل جانب. فتخلق روح المنافسة وتضاعف اللذة وترتفع الهمة، ويجد من يؤنسه فيكون أكثر استدامة.
• كون الشهر {أيامًا معدودات} يجعل تكثيف الجهد فيه ممكنًا ومحتمل مشقته، لأنه ليس دائم، فيبذل أقصى جهده خوفا من فوات الاغتنام، وضياع جزيل الثواب.
ولعل هذه المسببات وغيرها من دوافع قوله ﷺ: «رغم أنف رجل أدرك رمضان ولم يغفر له»؛ أي فهو محاط بكل هذه الدوافع التي تيسر العبادة وطلب المغفرة، فإذا هو بعد هذا كله لم يغفر له فقد رغم أنفه.
ما الذي يُحدث الفتور بعد رمضان؟
• أن الله أرادها اختبارا لصاحب الطاعة؛ إن كان أهلًا لأن يكون في معيَّته كما كان يطلبها في الموسم أو أنه لا يستحق هذه المعيَّة التي يرتجى أن تكون بابًا لولاية الله تعالى؛ فأنت تستحق أن تكون في موضعك طالما ارتضيت به.
• تنطلق الشياطين، فتتكاثف على العبد مع عاداته ونفسه الأمارة بالسوء.
• حماسية الفرد للطاعة في رمضان على غير عادته قبله، فيبذل جهدا مكثفا لم يعتد عليه طوال العام. ويسابق نفسه في العبادات، دون أن يهيئها لحالة الاستدامة بعده، حتى ينقضي رمضان وقد نقص عزمه وأُخذت منه همته؛ فتبدأ النفس في العودة إلى راحتها القديمة.
• عودة الحياة لطبيعتها، ومشاغلها التي كانت مُحجمة أثناء رمضان. ويبدأ التراكم الذي تم تأجيله، مما يزيد من الإحساس بالفوضى والابتعاد عن الطاعة.
• فردية الطاعة بعد رمضان، والافتقاد لروح الجماعة وتكاتفهم على العبادة.
فما الحل؟
أولًا، وقبل أي شيء: اللجوء إلى الله، الذي خلق النفس وسوَّاها، الخبير بها والقادر وحده على تزكيتها؛ {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم؟}؛ فأنت دون الوقوف مفتقرًا على باب الله غير معبوء بك.
ثانيًا: معرفة أن الفتور والتثاقل بعد رمضان أمر شائع وطبيعي، ومن الطبيعي أن النّفس تطلب المعاصي وتتلهف عليها، لأنها وحُب الدعة والراحة أنسب إليها من المجهادة وبذل السعة؛ أن تعلم هذا يعني أن تتخطَّى أي يأس يواجهك؛ والنبي ﷺ أتى على هذا المعنى في قوله: «لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون، فيستغفرون، فيغفر لهم»؛ فلو أذنبت في اليوم ألف مرة فتب إلى الله ألف مرة، وأكثِر من الذِّكر وجِدّ في حمل همِّك عليه فإن للذكر ولاية على النفس كافية لتثبيط شيطانها، وكلما حمي وطيس شيطانك فاطفئ ناره بالوضوء.
ثالثًا: إن كنت قد وجدت في رمضان طاقةً للعبادة، فاعلم أنها منك ليست بمستحيلة، وإنما أنت قادر، لكنك تحتاج إلى معين، والمعين هنا أتى به النبي ﷺ بقوله: «إن لكلِّ عملٍ شِرَّةً، وإن لكلِّ شِرَّةٍ فَترةً، فإن صاحبُها سَدَّد وقرَّب فارجوه، وإنْ أُشيرَ إليه بالأصابعِ فلا تَعُدُّوهُ».. فمن ذلك:
١- أن تلتزم بالفروض، وإتمامها على وجهها الصحيح هو عين التسديد. مهما ضعفت، لا تفرط في الفروض، فالمجاهدة فيها هي مفتاح الثبات.
٢- إتباع رمضان بصيام ستة من شوال؛ ولعل من حكمة ذلك: كأنما هو خيطٌ يصل روحانية الشهر بالشهور بعده التي تأخذنا فيها الحياة، ليطبع القلب على أجواء العبادات فيه، فلا ينقطع عنها فجأة، ولا ينفر منها، بل يظل موصولا بما كان فيه، حتى إذا استقرّت، أمكن له أن يضيف إليها ويزيد.
٣- المحافظة على الحد الأدنى من العبادات التي اعتدت القيام بها في رمضان؛ أي أن تحافظ على حال الوِرد، لا على كميَّته؛ السر ليس في أن تبقى على نفس الدرجة، لكن أن تسقط على الأرض التي انطلقت منها. فإن كنت قد اعتدت قراءة ثلاثة أجزاء يوم رمضان فليكن جزءًا بعده، وإن كنت تقوم الليل بإحدى عشرة ركعة، فلتبق لك ثلاث، وهكذا.
٤ـ الاستمرار في جماعية الطاعة، عبر الالتزام مع أفراد يعينونك عليها بوقت محدد لا يرهقك في البداية.
ثم بعد ذلك تزيد، لكن الأمر يوزن بميزان الديمة؛ وإن قل وِردك. فإذا فُتح لك باب وأنت في طريقك فالزم عتبته.
8 مشاهدة