إنَّ لدينا عملا!
ليس التاريخُ هِبَةً من الغيب، ولا الأممُ تُنقَذُ بخُطَبٍ مُتخمَةٍ بالحنين والبكاء. التاريخُ – في وجهه الأصدق – ثمرةُ عزائمَ صغيرةٍ تتآزر؛ أفرادٌ يضعون حجرًا فوق حجر، ثم تمضي الأعوامُ فإذا البناءُ قائمٌ وقد ظننَّاه كان مفاجئًا. هكذا تُصنع الدول والمشروعات الكبرى.. لا تبدأ لما لم يتهيَّأُ له الناس؛ إنما تبدأ من الإنسان المفرد، وعرقِ يدٍ تكد وتسعى ولا يتوقف حرثها.
ولئن كانت مأساةُ وعينا أننا نرى «النتيجة» ولا نرى «المسار»، فإن الواجبَ الآن أن نُعيد ترتيب النَّظر. إن الرؤية التي توجب نفسها الآن تبدأ بسؤالٍ كيف جمع أولئك اليهود فتاتَ جهودهم حتى صار مشروعًا ثم دولة تهيمن على العالم أجمع رغم أنف هذا العالم إلا مدينة وحيدة هي غزة؟ وكيف نُخرِج نحن جهودنا من طور الانفعال إلى طور الفعل؟ لا يوجد أُمَّة على وجه الأرض قامت بفعل شعور عابر، إن الغضب لا يكفي إلا لأن تنتبه.
«إنَّ لدينا عملًا» بيانُ تكليف؛ أن ينهض كلُّ امرئٍ بما يليه – في فكرِه وقلمِه وجيبه ومِهنتِه – حتى تتآلف الخيوطُ المتناثرةُ حبلًا يُشَدُّ به خِباءُ الأمة.
كان «ثيودور هرتزل» – في صورته – رجلًا يرتدي بذلةً أوروبية داكنة، لحيةً مُمشَّطة، ونظرةً لا ترى إلا بمنظار الغد. وُلِد في بودابست، ونشأ على ثقافةٍ ألمانيةٍ مُنمَّقة. حينما أتته بواعث فكرته مهمومًا بأمر أمته صار الرجل مشروعًا يمشي على قدمين. لم يترك الفكرة تتآكل في رأسه، وإنما حوَّلها إلى خطة عمل؛ كتابٌ يضع الأساس النظري لدولة تحتوي أبناء عِرقِه، مؤتمرٌ يلمُّ شتات النشطاء، منظمةٌ لها لوائح وتمويل، ورحلاتٌ إلى قصور الساسة والملوك. كان يفكر كالمهندس، ويتحرك كتاجر يعرف أين يعرض بضاعته.
وراء ذلك انضباط والتزام، كان في هرتزل رجلٌ يشتعل داخليًّا؛ لم يكن يملك الوقت لترف الصداقات المزيفة، ولا لعاطفةٍ تستنزف يقظته؛ علاقاته محكومة بالجدوى، يعرف متى يلين ومتى يشد.
في موته المبكر – وهو لم يبلغ الخامسة والأربعين! تخيل؟ – لم ير الدولة، لكنه ترك على الأرض الأسس واللبنات التي تكفي ليُكمل الآخرون البناء. ترك الفكرة في صيغة مؤسَّسة، ولم يكتف بالتمنِّي وزمزمة الشفتين كما نحن.. في هذا يكتمن سر باذر بذرة إسرائيل الأولى ومقعِّد بنيانهم.
الآن تخيَّل رجلًا يقفُ وحدَه في بيتٍ مُهمل، وضع الماضي في جيبه، ويحمل وحده على كتفيه إنبعاث لغة من الرقاد، كانت قد ماتت وولى عليها الزمان.. أترى أمة دون لغة تقوم بها؟ هذا هو إيلعازر بن يهودا، القادمُ إلى القدس عام 1881م.
أسَّس أوَّل بيت ينطق بالعبرية حيَّة من جديد، وفي هذا البيت وُلد ابنه بن صهيون الأول من مئات الآلاف الذين نشأوا نُزلاءَ لغةٍ تتحدثُ من الفم. هذا البيت تحول إلى معمل لغوي، تم فيه تجربةُ صياغةِ أسماء جديدة، لكل ثمرةٍ وآلةٍ حديثةٍ تسميةٌ عبرية تُفصِّل لحجمها وزمنها.
لكن القصَّة لم تبقَ عند هذا الحد. بن يهودا خطَّط أن تعتقل اللغة الأرض، فتأسَّس لجمعيات تُعيدها إلى الناس، ونشط إلى تجميع ما يُعرف اليوم بالقاموس الكامل للعبرية القديمة والحديثة.
هذا بعض عزم هؤلاء القوم وإرادتهم، هناك يقف الذي ينشد النهضة، ويُفرِّغ جهده في ترتيبات إدراية يومية؛ بحثٍ، تعليمٍ، مبادرةٍ. لكن أين نحن؟ وأين همتنا؟ هل همتنا – كل همتنا – تتوقف عند وهج من الغضب، لا يتكل على بلورة أي جهد؟!
أعود فأقول، لم نعلم أمَّة من الأمم قامت على المشاعر فقط، لم يخلق أسًا وتذمُّرًا أمة تحترم نفسها قط! إن سنة الله في خلق الأمم وقيامها: العمل. عمل أفرادها، وتهيئة الجماهير بأن تستقبل هؤلاء الأفراد بالرِّفعة والتسييد.. إن لدينا عملًا!
إنَّ لدينا عملًا، والأسى – تبَّا لكُتَّاب الأغاني – قُعُودْ!
9 مشاهدة