كدمات مخفية
أعلنت الساعة الثانية بعد منتصف الظهر عندما انتهى يوسف من العمل كموظف استقبال في أحد فنادق بغداد. في ذلك اليوم لم ينتهِ وقت عمله في الحقيقة، لكنه اضطر لذلك بعد أن تنحى به أبو أحمد جانبًا وقال له: "يصعب عليّ يا يوسف أن أعامل ابن صاحبي، يرحمه الله، كما أعامل باقي الموظفين، ما رأيك بأخذ باقي اليوم استراحة وتعود غدًا إن شاء الله". إن مثل تلك الأيام شيء اعتاد عليه، ذلك السكون القاتل كان يأتيه من حين لآخر، لكن اليوم كان مختلفًا... عيناه البنيتان لم تكونا موجودتين في الفندق ولا في الشارع الذي يسير فيه الآن، إن شيئًا أيقظ في روحه ما كان يهرب منه لفترة طويلة.
بعد مضي ساعة في المنزل مستلقيًا على سريره لم يتغير شيء، ومحاولات أخته ذات الاثنين والعشرين عامًا، والتي تكبره بعامين، في فهم ما به لم تُجدِ نفعًا. ورغم ذلك قررت الجلوس على الكرسي الذي بجانب السرير واضعةً يدها على خدها، وقالت بصوت متململ كأنها تحدث نفسها: "غدًا هو موعد والدتي لغسيل الكلى، كما على أحدٍ شراء بعض الملابس لرغد ورؤى... ماذا تريد على العشاء يا يوسف؟... أخبرني، لم لا تتحدث؟". لم يستطع إيقاف ثرثرتها، ولم يشأ أن يشاركها ما يشعر به، وأدرك أن مكانًا واحدًا قد يساعده في التخلص من رغبة البكاء التي اجتاحته، وقرر الخروج من المنزل.
بعد مضي نصف ساعة في إجبار نفسه على هز رأسه موافقًا على كلام السائق الذي لم يسمع معظمه، وصل أخيرًا إلى مقصده، وراح يسير ببطء كالعجائز. ورغم أن هذا البطء كلفه عشر دقائق إضافية من السير، كان فعله هذا مقصودًا؛ فطوال هذه الفترة حاول أن يستجمع شجاعته ليواجه والده الذي لم يصل إليه منذ عامين، ويحدثه عما فشل في قوله طوال عمره الماضي.
وعندما وصل أمام قبر والده حاول سحب أنفاسه لينعش نفسه جراء الضغط الشديد الذي يسببه وقوفه أمام قبره. وبينما هو واقف هكذا، ارتبك قليلًا، وود لو أنه لم يأتِ وأراد الهرب، لكنه قال كلمته الأولى: "أعلم أنك عشت يتيمًا في حياتك، لكنك جعلتنا مثلك، وصنعت مني يتيمًا في وجودك قبل رحيلك". قال كلماته تلك والرجفة بدت واضحة على شفتيه، وحاولت إحدى الدموع التسلل من عينيه إلى خده، لكنه منعها بصعوبة وأكمل...
ما زلت أتذكر ذلك اليوم عندما تم فصلي من المدرسة بسبب التدخين، واجتمعت أنت والمدير وبدأتما لومي وتحميلي كل الخطأ، وكأنني لست إنسانًا يخطئ ويصيب. في ذلك الوقت أخبرني المدير أنه يفعل ذلك لمصلحتي وأنني يومًا ما سأفهم؛ قال ذلك بعد أن أجبته أنني لا أحبه. في هذا الصباح التقيت به يا والدي وأنا ذاهب إلى العمل. نظر إليّ بفخر وإعجاب، وقال لرفيقه الذي معه إنني أحد طلابه؛ كنت أحد طلابه. وسألني عن حالي وحاول ممازحتي، أما أنا فلم تغرني تلك الكلمات، وأخبرته أنني ما زلت لا أحبه، وذكرته بذلك اليوم الذي مضى عليه سنوات، وأحسست بالرضا قليلًا بعد أن امتعض وأحنى رأسه إلى الأسفل خجلًا، وشعرت أنه أحس بالحقد الذي أكنه له…
أنت تشبهه في كل شيء تقريبًا، كلاكما تدعيان المثالية وتعتقدان أنكما فعلتما كل شيء من أجلي، للأسف أخطأتما، صنعتما مني شخصًا مريضًا، مليئًا بالمشاكل النفسية والعقد. لقد تركتني أصارع الحياة بدون سلاح، ولم تكلف نفسك عناء السؤال عن سبب تدخيني للسجائر. أتعرف شيئًا يا والدي؟ أنت أيضًا لا أحبك، ليس لنفس السبب مع المدير، لكنك لم تعطني ما يستحق الحب.
لم يستطع يوسف كتم دموعه أكثر، وبدأت تنزل كصمت الأموات، ومرت دقائق حتى استجمع قواه، وراح ينظر لوالده نظرة حادة وأكثر جدية، وقال: أنت لم تكن موجودًا في حياتي… لقد تعلمت كل شيء بمفردي، كيف أنجح وأتخطى الفشل، متى أصمت وكيف أعيش وحيدًا، حتى الصلاة تعلمتها من الكتب. ولماذا أحبك؟! … أنت يا والدي أعطيتني… أعطيتني شخصًا يخاف الكلام لأنك ضحكت عليه عندما كان يغني لأخته الصغيرة وهو في السادسة من العمر… أعطيتني شخصًا يخفي كدماته جراء كرة القدم ويحاول المشي على قدمه المكسورة بأقوى ما يكون حتى لا تنهال عليه بالصراخ والشتائم، وإنسانًا يخاف من كل شيء حتى من نفسه… أتعرف الغريب؟ إنني لا أحبك فقط، بل لا أعلم ما الذي يمنعني من كرهك حتى الآن.
سادت دقائق صمت صارع فيها يوسف حتى لا يبكي، لكن مقاومته لم تجدِ نفعًا، وقرر الاتكاء على قبر إلى جانبه، وجلس مادًّا ساقه اليسرى باستقامة، واضعًا رأسه على القدم الأخرى، وقال بعد دقائق من الصمت: أنا لا احبك لأنك لم تكن والدا جيداً، وسأكرهك لأنك رحلت.
اذا انتهيت من القراءة شاركني رأيك وإنظم الى قناة التلجرام وجودك هناك يحثني على الاستمرار:
https://t.me/mohaammad10writer
7 مشاهدة