لماذا أُحبُّ السينما؟
من قلب بيئة متدينة، وبيت شديد التدين.. شغفت بالسينما؛ مشاهدة، وقراءة، وكتابة، وبحث.
ربما كان الباعث الأولي، لومضة الشغف الأولى، هو البحث عن الجمال.. عن المعنى.. عن الدهشة. ألا يكفي هذا الباعث لأُفتتن بالسينما؟ ذلك الفن مرهف الحس، الذي يعلمك لغة تخرج من منطلق غير فمك؛ ربما خرجت من الكون ذاته، أو من عمق الوجود، أو من باطن الحياة. هذه اللغة التي تعلمك كيف تقول، لا ماذا تقول. قل أي شيء، لكن كيف ستقول هذا الشيء؟
ربما كان الباعث الآخر أن الحياة قصيرة جدًّا، أقصر من أن تُعاش. لا تكفيك حياة واحدة؛ أنت تحتاج إلى حيوات كثيرة تحياها قبل الانتقال إلى العالم الآخر. تحتاج إلى أن تأخذ وطرك من الحياة. السينما، بجوار الرواية، تعطيك هذه الحيوات التي لن تستطيع أن تحياها.
ربما أريد أن أدس أنفي في حياة الآخرين، أن أكتشف ما خلف الأبواب المغلقة، والدواخل الموصدة.. السينما هذا النوع من التجسس اللذيذ، الذي لن تجد من يجبرك على أن تتوقف عند ما لا يعنيك. السينما هي ما يعنيك من حياة الآخرين؛ حياة الأفراد ودواخلهم، حياة الأسر وبيوتهم، حياة المجتمعات وأزقتها، حياة الدول وملوكها وسلطانها. السينما تتيح لك أن تتكشف أمامك بواطن الأشخاص وبواطن الأمور.
الخلود مؤرق؛ ذاك الشعور اللعين بأنك تريد أن تبقى هنا للأبد، تبقى ذكراك، ويبقى اسمك، وتبقى كلمتك. الفن يتيح لك أن تبقى حين يذهب الآخرون؛ تكون السينما هي الخلود.
أترى سردية أبقى من سردية السينما؟ إنها سبيل لصنع سرديتك الخاصة، وتمرير ما تريد أن تقول دون وعظ وتكلف. كل السرديات تأمرك، إلا سردية السينما؛ فإنها تمد لك يديها، وتأخذك بروية لما تريد أن تطبع بداخلك. السردية تخلق الهوية؛ هوية الفرد، والمجتمع.. والسينما تصنع هذه السردية.
ربما أحتاج إلى أن أُعبِّر، إلى أن أقول، أن أصدح، أن أرقص، أن أُشير؛ لكن القيود تشدك لأسفل، فيُعقد لسانك، وتُربط رجلاك، وتُكتف يداك؛ فلا تستطيع. الفن وحده يستطيع؛ يستطيع أن يحررك، ينقذك، به تنطلق.. إلى معاني المعالي، ومعالي المعاني.
لماذا السينما؟
لكل هذا؛ للحب، والجمال، والدهشة، والبحث عن المعنى، ومعايشة الحياة، وإرادة الخلود، وصنع السردية، والانطلاق والاكتشاف.. كانت السينما، وكان تعلقي بها.
16