قَامَتِ الآنَ
تَنْفُضُ عَنْ كَتِفَيْهَا الغُبَارَ
تُمَسِّدُ سَاقَ المآذِنِ مِنْ تَعَبِ الوقفةِ الأبديَّةِ
إنَّها الشَّامُ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهَا كُرياتِ السُّخامِ
التِي ألصقتْها الحروبُ
عَلَى جِلْدِهَا المَرْمَرِيّ
أرَى بَردَاهَا العجوزَ
تقاعدَ عَنْ حِمْلِ عبءِ الدِّماءِ الثَّقيلةِ
عادَ لمهنتِهِ الأوَّليَّةِ:
يسقِي عروقَ الظِّلالِ التي عطَشَتْ
لافتراشَ حَبيبَينِ
يغسلُ أقمصةَ العُشْبِ مِنْ وَبَرِ الرِّيحِ
نَادَتْ دمشقُ:
تعالَوا
فإنَّ الطَّرِيقَ اشْتَكَى وَحْشَةَ الخُطُوَاتِ
! وإنَّ النَّوَافِذَ مَلَّتْ مُرَاقَبَةَ الطَّائِرَاتِ
تُرِيدُ مُرَاقَبَةَ العَاشِقِينَ
وهُمْ يَسْرِقُونَ مِنَ اللَّيْلِ قُبلاتِهِم
تتشهَّى مُشَاهَدَةَ الظِّلِّ
وهْوَ يراقصُ ظلًّا فَريحًا على عَمَدٍ
لَمْ يَعُدْ مفزعًا
مِنْ تَساقُطِ سَقفٍ علَى حالِمِيهِ
سَتهفُو المَفَاتِيحُ فِي جَيْبِ هَذَا الشَّتَاتِ
لكي تَحْضنَ القُفْلَ
بَعْدَ الخِصَامِ الطَّوِيلِ
وها هُوَ سُورُ المدينَةِ فكَّك ياقتَهُ
كَيْ تَشمَّ قُراهُ الرِّياحَ الحبيبةَ
قَالَتْ دِمشقُ:
تَعَالَوْا
فإنَّ الحَمَامَ هُنَا مرهقٌ
مِنَ سُدى الطَّيَرَانِ
بِلا وِجْهَةٍ في السَّمَاءِ الغَرِيبَةِ
كم ذَا يُرِيدُ النُّزُولَ ليلْتَقِطَ الحَبَّ
مِنْ كَفِّ طِفْلٍ
وينسَى فُتاتَ المنافِي
تَعالُوا
سنمحو من الدَّفْتِر العرَبيِّ خطايَا الغِيابِ
ديوان: سواقٍ في ذاكرة الحقول

8 مشاهدة