العرّاف
أنا العرّاف...
لا لأنني رأيتُ الغيبَ،
بل لأنني رأيتُ الوجوهَ
حين تسقطُ عنها الأقنعة.
عرفتُ مبكرًا
أنّ الذئبَ
لا يأتي دائمًا من الغابة،
فأحيانًا
ينامُ قربَ الموقد.
كانوا حولي...
أقربَ من الهواء.
يشربون من الكأس نفسها،
ويزرعون في قاعها
شيئًا من المرارة
كلَّ يوم.
لم أكن أسمعُ كلماتهم فقط،
كنتُ أسمعُ صريرَ النيّات
وهي تشحذُ سكاكينها
في العتمة.
كنتُ ألمحُ الشرخَ
قبل أن يتّسع،
وأرى الماءَ
قبل أن يصيرَ طوفانًا.
كان الخرابُ يمرُّ بينهم
هادئًا،
مرتديًا ابتسامةً عابرة.
رأيتُ المؤامرةَ
تكبرُ بين الأطباق،
وتتنقّل بين الغرف،
وتجلسُ على حافةِ السرير
كقطّةٍ أليفة.
ترتدي ثيابَ المحبّة،
وتتركُ سمَّها
في أكثرِ الأماكنِ دفئًا.
حتى البيتُ
الذي ظننتهُ آخرَ حصوني،
صارَ متاهة.
كلُّ بابٍ
يفضي إلى شكّ،
وكلُّ نافذةٍ
تطلُّ على خيبة.
وعندما سقطتُ،
كانت الأيدي التي دفعتني
تعرفُ اسمي جيّدًا.
لكنّ الخيانةَ
لم تكسرني.
أزاحتِ الغبارَ فقط
عن الوجوه.
وأبقتني
وجهاً لوجهٍ
أمام نفسي.
خرجتُ من الركام
أخفَّ ممّا كنتُ،
وأكثرَ وحدةً،
وأشدَّ يقينًا.
لم أعد أبحثُ
عمّن طعنني.
صرتُ أبحثُ
عن ذلك الرجل
الذي عبرَ النارَ كلّها،
وبقيَ قادرًا
على النظرِ إلى السماءِ
دون كراهية.
أنا العرّاف...
وما زلتُ أرى.
لكنني لم أعد أراقبُ الظلال.
أراقبُ الفجر.
وأتركُ للظلام
أن يلتهمَ نفسَهُ
بنفسه.
✍🏻 إياس كيوان
7 مشاهدة