رحلت جدتي
نعم منذ سنوات رحلت جدتي التي كانت ترسل لنا الخير من بيتها المتواضع، كنت لا أفهم كيف لهذا المنزل الصغير حيث ليس به غير مقعد خلف الباب وغرفة ليس بها غير مخدعها يستطيع أن يرسل لنا في المدينة كل بضع أسابيع كثير من البيض وعدد من الدواجن وقطعة كبيرة من لحم الأغنام، وأحيانا بعض أنواع الحبوب، غير الزبد الذي كان يأتي من وقت لآخر، كنت لا أفهم كيف لهذا المنزل الصغير أن يعول بيتاً فارهاً مثل منزل أبي في المدينة، حتى أننا كنا جميعاً ننتظر هذا المدد بين الحين والآخر.
منذ رحلت جدتي والحال تغير كثيراً، فقد أفتقدنا مذاق الطيور التي كانت ترسل لنا من جدتي واستبدلناها بطيور ليس لها مذاق بالمرة لكنها قد تملأ البطون بلا فائدة، حتى الزبد الذي كانت ترسله لنا جدتي كان ليس كالزبد الذي أصبحنا نأكله، منذ رحلت جدتي وأنا أشعر أن الحال تغير على كل حال ووالدي فقد كثيراً من السعادة التي كان يستقبل بها المدد التي كانت ترسله جدتي رحمها الله.
لقد أدركت كيف كانت توفر جدتي العجوز ما ترسله لنا ولإخوة أبي الثلاثة رغم أنهم جميعاً تخرجوا من الجامعة والتحقوا بوظائف جيدة ويحصلون على معاش جيد إلا أنهم لم يستطيعوا أن يعوضوا هذه العطايا التي كانوا يحصلون عليها بعدما توفيت جدتي، لقد أدركت أن جدتي العجوز حتى قبل رحيلها بيومين قد ذبحت تيس ضخم لترسله لأبي وأخوته لكنها أضطرت أن تضعه في البراد حتى تجد من يحمله إلينا دون جدوى، لقد كانت حتى يوم رحيلها تعمل كما كانت تعمل طوال حياتها.
كانت تبدأ يومها قبل شروق الشمس وتنهيه بعد غروبها، تقضي يومها ترعي طيورها وأغنامها وبقرتها، تجمع البيض وتطعم رعيتها وتحلب ضرعهم بلطف لتصنع للزبد والجبن والكشك الذي كنت أفضله في الطعام، غير انها كانت تطحن بنفسها القمح والذرة والحلبة لتصنع كل أنواع الخبز في موقدها الذي هو نفسه جزء من هذا المنزل الصغير، كانت تقضي كل وقتها في العمل داخل حدود ما تملك بين بيتها وقيراطين على الجانب الآخر من مسقاة المياه استأجرتهما لكي تعقل فيها دابتها وترعي فيها أغنامها.
رحلت السيدة التي لم تكن لتتعرف على الهاتف المحمول غير للتواصل مع أولادها، ولم تكن تدير التلفاز إلا في وجود الضيوف أمثالنا وما كانت تفضل غير الراديو البالي الموجود قريباً منها دائما يصدر أنقى ما قد يسمع الانسان، فلم تكن تحب غير سماع القرآن الكريم وأم كلثوم حتى أنها كانت تعلم متى تغني أم كلثوم كما كانت تعلم برامج إذاعة القرآن الكريم وتميز بين كل أصوات القراء.
رحلت السيدة التي أدارت حياتها كما لم يستطع أحداً أن يدير حياته في المدينة، حتى أنها كانت تعمل بعدما أتمت عامها الثمانين بكل نشاط، ولم تكن غير إقتصاد ناجح يدر على كل أولادها الرجال بالنفع، ربما كانت جدتي المرأة الأخيرة في هذا العالم التي أدركت كيف تنجو من العوز والضيق فلم تستسلم مطلقاً للرفاهية الكاذبة التي يستدين لها الناس دون عقل، فلم تهدر وقتها في متابعة دراما أو تواصل غير مجدي لها منفعة، ولم تهلك أفكارها بغير حالها.
رحم الله جدتي التي كانت تعول رجال وقعوا في الضيق بسبب زوجاتهم اللاتي فقدت أنوثتهن بين رفاهية كاذبة افقدتهن السبب الحقيقي لوجودهن
#مجتمع

20 مشاهدة