شعرُها الغجري
شعرُها الغجري...
ليسَ شعراً...
بل قافلةٌ من ليلٍ تنسى الطريقَ إلى الصباح.
كلُّ خصلةٍ فيه، خيمةٌ سوداءُ ينامُ تحتها عطرُ القبائل، ويستيقظُ منها حصانٌ بريٌّ لا يعرفُ كيف تُروَّضُ الريح.
حينَ تتركهُ على كتفيها، تضيقُ المرايا لأنها لا تستطيعُ أن تعكسَ هذا الفيضَ من الظلال.
ويكبرُ المساءُ حتى يلامسَ أصابعَها.
أما حينَ تجمعهُ فإنها لا تربطُ شعراً...
بل تجمعُ الليلَ كي لا يتسرّبَ إلى المدن.
لهُ شهوةُ المطرِ حينَ يهبطُ فوقَ غابةٍ عطشى.
ولهُ كبرياءُ الخيلِ حينَ ترفضُ سرجَ الفرسان.
ولهُ رعشةُ نايٍ قديمٍ ظلَّ قروناً ينتظرُ فماً واحداً ليقولَ كلَّ ما خبّأهُ الحنين.
كم مرّةً مددتُ يدي إليه...
لا لألمسهُ...
بل لأتأكّدَ أن الليلَ يمكنُ أن يُزرَع على رأسِ امرأة.
وأن الريحَ قد تختارُ أخيراً أن يكونَ لها وطن.
في شعرها، تتعثّرُ أصابعُ الضوء، ويفقدُ المشطُ بلاغتَه.
حتى القمرُ، كلما رآهُ من نافذتي، خلعَ هالتَهُ البيضاء، وجلسَ يتعلّمُ كيف يكونُ السوادُ لغةً للجمال.
شعرُها لا يُصفَّف...
إنهُ يُطلَق.
ولا يُسرَّح...
بل يُهاجرُ مثلَ أسرابِ السنونو التي لا تؤمنُ بالحدود.
أحياناً أحسبُ أن اللهَ حينَ خلقَ الليل، احتفظَ بالنسخةِ الأجمل، وخبّأها فوقَ كتفيها...
كي يبقى للعشّاقِ سببٌ آخر لعدمِ النوم.
حسام الدين
#نثر #مجتمع
25