شجرة
ما زلتُ أذكر ذلك اليوم عندما سقط عليَّ جدارُ الحديقة القديم، بعد ليلةٍ محمَّلةٍ بالأمطار والعواصف. كنتُ شجرةً صغيرةً لا يتعدى طولها المتر، أوراقي ناعمة وهزيلة، وذاك الطوب البالي كسر معظم أغصاني ذلك اليوم، وما كنتُ لأنجو لولا والد "لينا"، الذي أزاح كل الطوب عني وأنقذني بعنايته.
ومرت سبع سنوات، نتسابق فيها أنا و"لينا" في العلو، أنا يشتد عودي، وهي تزداد بريقًا... وأمضينا نحن الثلاثة تلك الأعوام بكل ما فيها من قراءةٍ للكتب، وأحيانًا تناول الطعام، وفي حرارة الصيف أجدهما يجلسان تحت ظلالي؛ لا لنفعل شيئًا سوى البحث عن نسمة هواء تزيل العرق عن "لينا" ووالدها، وتهز أغصاني... وربما من أجمل اللحظات تلك التي علَّقا فيها أرجوحةً على أحد فروعي الجانبية، وراح الوالد يهز تلك الطفلة كل يوم، وهي لا تملُّ ولو لحظة، ويحدث أحيانًا أن تطلب منه أن يدفعها بكل قوته حتى يبدو أن الفرع سينكسر، إلا أنها لم تخف أبدًا؛ وعوضًا عن ذلك، أجدها تنظر إلى السماء في تلك اللحظات، وتصرخ في والدها بصوتٍ ممزوجٍ بالضحك: "أقوى!".
اليوم، وفي هذا الغروب، نقف أنا و"لينا" بمفردنا، كلانا نفكر بذلك الأب الذي رحل دون رسالة وداع، والسبب لا أعرفه؛ فكلُّ علمي أن تلك الطفلة، البالغ عمرها أحد عشر عامًا، جاءت وتوقفت بجانبي بضع دقائق دون أن تنطق بأي كلمة، ثم همست بقربي: "أبي قد رحل". فعلت ذلك وهي تلامس الذكرى التي خطَّها هي ووالدها على غصني، ثم استدارت واتجهت نحو الأرجوحة الرثة، وجلست عليها بهدوء، وأمالت رأسها نحو الأسفل، وراحت تؤرجح نفسها ببطء شديد، ولم أستطع فعل شيء سوى إسقاط بضع ورقاتٍ صفراء على كتفيها…
#قصة_قصيرة
بهمني انظمامك على تلجرام 🌹:
t.me/mohaammad10writer
25