العودة إلى الفطرة
أن تقيس الطريق
بعد أن يبرد عرق الركض،
هو أن تعرف
كم اقتربت من موتك.
تتذكر الذين
سبقوك إليه.
لم يمدّوا أيديهم،
ولم يطلبوا منك
أن تلحق بهم.
تركوا لك
عبءَ النجاة وحدها.
كل صباح
تقرر أن تنظر إلى الأمام،
لكن النهار
لا يعدك بشيء.
بين الشروق والليل
منطقة غامضة
تشبه قلبًا
يتدرّب على الفقد،
أو شمسًا
تنتظر كسوفها الأخير.
ثم تعود.
إلى الدار القديمة،
تفتش الجدران
عن بصمة يد،
ورائحة خبز،
وصوتٍ
لم يغادر المكان.
هناك
تكتشف أن الحزن
ليس ما تركه الراحلون،
بل الفراغ
الذي صار يتقن
تقليد أصواتهم.
تقف عند النافذة.
الشوارع صامتة،
والريح
تمشط غيابهم.
تضحك قليلًا،
ثم تبكي،
كأن الوجه
لا يعرف
أي التعبيرين
أصدق.
وأخيرًا
تقول لعالمك الخفي:
لعلّنا أخطأنا
حين صدقنا
أن التقدّم
يعني الابتعاد.
كان يكفي
موقدٌ من حطب،
ورسالةٌ تصل مع قافلة،
ورحىً تديرها جدّة،
ليظل القلب
أقلَّ وحدة.
ربما كان كبار السن
يعرفون أكثر منا:
أن العودة إلى الفطرة
ليست رجوعًا إلى الماضي،
بل رجوعٌ
إلى الإنسان.

16