أليس في بلادكم ليلٌ يعرف النجاة؟
ليلٌ لا يضلُّ طريقه إلى البيوت،
ولا يترك خلفه
نافذةً مفتوحةً على الخوف؟
أليس في حضيرتكم
خيولٌ عائدةٌ من الحرب،
تجرُّ وراءها صهيلًا مكسورًا،
وتبحث في وجوه العائدين
عن فرسانها الذين لم يعودوا؟
وعلى أبواب مدينتكم،
أما زالت المفاتيح
تعرف أصحابها؟
أم أن الأبواب،
من فرط الانتظار،
بدأت تنسى أسماء الذين كانوا يطرقونها؟
هنا،
مدينةٌ تتكئ على كتف الجبل
ولا تسقط.
كلما ظنّوا أن الطريق إليها انتهى،
أخرجت من صخرها طريقًا آخر.
وكلما أطفأوا نافذة،
أشعلت الريحُ نافذةً في الجهة الأخرى.
في أزقتها،
ينام الأطفال على حافة الحلم،
ويضعون أحلامهم الصغيرة
تحت رؤوسهم
بدل الوسائد.
طفلٌ نام بلا لحاف،
وأخرج يده من النافذة،
كأنه ينتظر من السماء
شيئًا يشبه أباه.
وأمُّ جنديٍّ
كانت تعدُّ الأيام،
وتخبئ ثوب ابنها
في آخر الخزانة،
كأنها تخشى أن تلمسه
فتكتشف أن الحرب
كانت أسرع من قلبها.
ثم ماتت.
ماتت وهي تظن
أن الغائب قد يخطئ الطريق ذات مساء،
أما الموت
فلا يخطئ طريق الأمهات.
لمن إذن قناديل أعياد نصركم؟
لمن الرايات
فوق بيوتٍ لم يعد فيها من يصفق؟
ولمن طبول الفرح
إذا كان في آخر الزقاق
بيتٌ يتهيأ لاستقبال تابوت،
وأمٌّ تفتح الباب
كلما سمعت خطى،
ثم تغلقه ببطء
حين تكتشف
أن القادم ليس ابنها؟
أيُّ نصرٍ هذا
الذي يحتاج إلى كل هذا الصمت؟
في الجبال البعيدة
تتعلم البيوت كيف تصغي.
تصغي للرصاصة
قبل أن تصل،
وللطائرة
قبل أن تظهر،
ولقلب الأم
حين يتوقف لحظةً
عن تصديق الأخبار.
حتى الشمس
تدخل المدينة مترددة،
تمر فوق الجدران المثقوبة،
وتتوقف طويلًا
عند نافذةٍ فقدت صاحبها.
ومع ذلك...
ثمة امرأةٌ
تكنس أمام بيتها كل صباح،
كأنها تكنس آثار الغياب
لا الغبار.
وثمة خبازٌ
يفتح دكانه،
كأن الرغيف
مقاومةٌ أخرى
لا تحتاج إلى بندقية.
وثمة طفلٌ
يرسم جبلًا أخضر،
ويضع فوق قمته بيتًا صغيرًا،
ولا يرسم حوله جنودًا.
ربما لأنه لم يتعلم بعد
أن الجبال تُحاصر،
وأن المدن تُحاصر،
وأن السماء نفسها
قد تتحول إلى بابٍ مغلق.
لذلك أسألكم:
أليس في بلادكم صباحٌ
لا يبحث في الوجوه
عن المفقودين؟
ألا يوجد عيدٌ واحد
تضيء فيه القناديل
لمن بقي حيًا،
لا لمن انتصر؟
أما هنا،
فكلما أضاءت قنديلًا،
أطفأت الريحُ آخر.
وكلما عادت حصانٌ من الحرب،
كان على ظهرها
سرجٌ فارغ.
ومع ذلك..
ما زالت المدينة
تخبئ في قلبها نافذةً صغيرة،
نافذةً لا يعرفها الرصاص.
نافذةً تطل على جهة
لا تصل إليها المدافع؛
حيث يستطيع طفلٌ بلا لحاف
أن يحلم بسماء
لا تسقط منها الأشياء.
وحيث تستطيع أمٌّ
أن تنتظر ابنها
دون أن تخاف من الطرق.
وحيث لا تكون قناديل العيد
شاهدًا على انتصار أحد،
بل دليلًا بسيطًا
على أن المدينة،
رغم كل ما مرّ بها،
لم تتعلم بعد
كيف تموت.
كانت تمسك يد الليل
كما تمسك امرأةٌ سرَّها الوحيد،
وتمشي.
فيتبعها،
لا لأنه يحبها،
بل لأنه لم يتعلم
كيف يرفض امرأةً
تدخل العتمة
وكأنها تدخل بيتها الأول.
لم تكن تبحث عن الضوء؛
كانت تخبئ شيئًا منه
تحت جلدها،
كسرٍّ خاف الفجر أن يفضحه.
وحين تضحك،
يتشقق الليل قليلًا،
وتسقط نجمة
لتكون أقرب إلى صوتها.
كانت تمرّ،
فتنسى المصابيح وظائفها،
وتخفض النوافذ ستائرها،
كأن الأشياء
تخجل من عجزها عن تفسيرها.
وحين اقترب الحب،
لم تهرب.
ابتسمت.
وقف أمامها
كعاشقٍ نسي قصيدته،
وأدرك للمرة الأولى
أن بعض النساء
لا ينتظرن الحب؛
بل يسبقنه.
كانت تلمس الأشياء
فتعود إلى نفسها
ولا تشبه نفسها.
وتدخل القصيدة
قبل أن يكتبها الشاعر،
وتغادر الحكاية
قبل أن يجد الراوي نهايتها.
وفي آخر الليل،
وضعت يدها على كتفه
وقالت:
لا تخف...
لن أطفئك،
سأعلّمك فقط
كيف تكون عتمةً
تليق بي.
ثم مضت.
وحين غابت،
لم يأتِ الصباح.
ظل الليل طويلًا،
كجرحٍ يعرف
أن صاحبه لن يعود.
عندها فهم:
لم يكن هو الذي يرافقها...
كانت هي
من تمنحه معنى وجوده.
كان أبي حادّ الطباع،
يختصر الحبَّ في نظرة،
ويغلق الأبواب كمن يعلن الحرب،
ورث عن أبيه أنفًا طويلًا يشتمُ به الكذب من بعيد،
وشاربًا سهل له الإقناع بالصراخ،
وكان إذا غضب، احمرّ كل شيءٍ في الغرفة،
حتى ظلالنا على الجدران.
عرف المدينة منذ صغره،
ركض في أزقتها كأنها جزء من دمه،
تعثر في الحارات القديمة،
وقبل أن يفتل عضلاته،
زوّجوه امرأة لا تعرف غير الصبر،
فأحبّها بطريقته...
كأن يترك لها القهوة على الحصير،
أو يغلق الباب بهدوء حين تبكي.
كان أبي لا يتقن الغزل،
لكنه إذا قال "أنا هنا"،
توقفت الريح عن العبث بالنوافذ.
الويل الذي مرّ به،
لم يكن قصيدة ركيكة في دفاترنا،
بل خاضه بحرًا وبرًّا،
وخرج منه كجندي نجا من ألف معركة
ولم يتفاخر بشيء.
كان صوته جافًا كحطب الشتاء،
لكنّ دمه يحمل موسيقى قديمة،
تُشبه أناشيد الغياب حين تخرج من فم أمٍّ تنتظر.
وكان جبلًا...
جبلًا اعتادت النجوم الوقوف عليه،
كأنها تستند لكتفيه حين تنهكها السماء،
وكان إذا صمت، سقطت القرى من خرائطها،
وإذا تنهد، عاد الزمن قليلاً إلى الوراء.
علّمني أن الحياة لا تُفهم،
لكن يمكن احتمالها،
أن النخوة لا تُكتب في المناهج،
وأن الخبز الحارّ أجمل من كلّ الخطابات.
أحبُّ الشجرةَ التي لا تُثمر،
ليس لأنها عاقر،
بل لأنها نجت
من جشع الأيدي،
ومن ذاكرةِ الحجارة.
لا تُغري أحدًا،
فتظلُّ وفيّةً لظلِّها،
كأنها خُلقت
لتُريح التعب،
لا لتُساوم عليه.
جذورُها
تهبطُ كلَّ يومٍ إلى نفسها،
حتى يغدو الترابُ
أرفعَ مقامًا
من القمم.
وحين يُقبل الخريف،
تخلع أوراقها
كما يخلع الحكماءُ أوهامهم،
ولا تستعيرُ خُضرةً
لتبدو أقلَّ وحدة.
وحين يجيء الربيع،
لا تُزهرُ لتُرى،
بل لأنَّ النور،
إذا ضاق به القلب،
خرج أغصانًا.
أخشى الثمرةَ أحيانًا؛
فهي تُعلِّم الأغصان
انتظارَ الأيدي.
أمّا الظلُّ،
فلا ينتظرُ أحدًا.
يمدُّ نفسه
لكلِّ عابر،
ثم يمضي
كأنَّ العطاء
لا يحتاجُ إلى شاهد،
ولا إلى ثناء.
ثمّة ليلٌ واحد،
يقف عاريًا بين يديك، يا الله،
يشكو قلّة حيلته،
ويترك فينا
رجاءً
أكبر من الفقد.
الليل يتيم،
لكن يتمه
يفتح بابًا للغيب،
ويعلّمنا
أن ما ضاع من أيدينا
لم يضع منك.
يمسح الليل
غبار النهار عن عيوننا،
ويخبّئ في صمته
علامة الطريق.
الظلام
ليس عدوًا،
بل المحراب
الذي يتعلّم فيه القلب
كيف يصلّي
دون كلام.
في كل خطوة
على الأرض الباردة،
أشعر
أن يدك
تمسح أثري،
وتعلّمني
أن الطريق إليك
لا يُقاس بالمسافة،
بل بما نحمله
من رجاء.
وحين يثقل الليل
على صدورنا،
تبعث فينا
دفئًا خفيًا،
كأنك تقول:
امشِ...
فالطريق إليّ
أوسع من كل ضيق.
النجوم
تتناوب الحراسة،
كل نجمة
صلاة صامتة،
وكل نسمة
دعاء.
الليل
لا يسرقنا من العالم،
بل يردّنا
إلى أنفسنا،
حتى يكتشف القلب
أن الصمت مرآة،
وأن الانتظار
وجهٌ آخر للإيمان.
وفي أقصى العتمة،
ندرك
أن كل فقدٍ
علامة،
وكل ألمٍ
رسالة،
وكل ضياعٍ
طريقٌ خفيّ
يعود بنا إليك.
ثمّة ليلٌ واحد...
وكلما سرنا فيه،
عرفنا
أن الرجاء
ليس في الوصول،
بل في السير معك.
أن تقيس الطريق
بعد أن يبرد عرق الركض،
هو أن تعرف
كم اقتربت من موتك.
تتذكر الذين
سبقوك إليه.
لم يمدّوا أيديهم،
ولم يطلبوا منك
أن تلحق بهم.
تركوا لك
عبءَ النجاة وحدها.
كل صباح
تقرر أن تنظر إلى الأمام،
لكن النهار
لا يعدك بشيء.
بين الشروق والليل
منطقة غامضة
تشبه قلبًا
يتدرّب على الفقد،
أو شمسًا
تنتظر كسوفها الأخير.
ثم تعود.
إلى الدار القديمة،
تفتش الجدران
عن بصمة يد،
ورائحة خبز،
وصوتٍ
لم يغادر المكان.
هناك
تكتشف أن الحزن
ليس ما تركه الراحلون،
بل الفراغ
الذي صار يتقن
تقليد أصواتهم.
تقف عند النافذة.
الشوارع صامتة،
والريح
تمشط غيابهم.
تضحك قليلًا،
ثم تبكي،
كأن الوجه
لا يعرف
أي التعبيرين
أصدق.
وأخيرًا
تقول لعالمك الخفي:
لعلّنا أخطأنا
حين صدقنا
أن التقدّم
يعني الابتعاد.
كان يكفي
موقدٌ من حطب،
ورسالةٌ تصل مع قافلة،
ورحىً تديرها جدّة،
ليظل القلب
أقلَّ وحدة.
ربما كان كبار السن
يعرفون أكثر منا:
أن العودة إلى الفطرة
ليست رجوعًا إلى الماضي،
بل رجوعٌ
إلى الإنسان.
التقيتُكِ
حين كان الطريق
أكثرَ وحدةً من سالكيه،
وكان كلٌّ منا
يمشي وفي قلبه
مقعدٌ شاغر،
لا يعرف اسمَ الجالس عليه.
كنتِ تبحثين
لا عن رجلٍ يعبر حياتك،
بل عن يدٍ
تُعيد إلى قلبك
إيقاعه الأول.
وكنتُ أبحث
عن امرأةٍ،
إذا أمسكتُ يدها،
تحوّل السفر
إلى بيت.
امرأةٍ
تعرف كيف تُصالح الليل مع نجومه،
وكيف تجعل العتمة
أقلَّ خوفًا
من ظلّها.
كلما مرّت،
أبطأت الريح خُطاها،
كأنها تتعلّم منها
كيف يكون الحضور.
وحين تضع رأسها
على كتفي،
أشعر
أن الأرض
استعادت مدارها،
وأن العمر،
الذي ظلّ يركض طويلًا،
وجد مكانًا
يجلس فيه أخيرًا.
أريدكِ
لا لأنكِ أجمل النساء،
بل لأن العالم
يصبح أقلَّ قسوة
حين تكونين فيه.
وحين تلامس يدُكِ يدي،
لا يحدث ما يراه الناس،
لكن شيئًا عميقًا
ينتظم في داخلي،
كأن القلب
كان مشتتًا منذ أعوام،
ثم وجد مكانه.
أنتِ
لا تجعلين الحبَّ أكبر،
بل تجعلين الحياة
أكثر احتمالًا.
ومنذ عرفتكِ،
لم أعد أبحث عن امرأةٍ أخرى،
بل عن ذلك الرجل
الذي أصبحته
حين أمسكتِ يدي.