أَسِيرُ الشِّتَاتِ
مُبَعْثَرَةٌ أَفْكَارِي فِي الْمَدَى
فَلَا رُوحِي هُنَاكَ وَلَا هُنَا
ضِدَّانِ فِي خَلَدِي تَحَارَبَا
وَعَلَى شَتَاتِي الذَّبِيحِ تَهَادَنَا
كَأَنِّي بَيْنَ مَوْتَيْنِ كِلَاهُمَا
نَحْوَ سِرِّيَ الْإِلَهِيِّ رَنَا
وَأَنَا مَا زِلْتُ أَبْحَثُ عَنِّي
بَيْنَهُمَا بَعْضِي وَكُلِّي مُثْخَنَا
كُلُّ قَرَارٍ يَهْدُنِي مَعِيَّةَ سِرِّهِ
فَأَحْتَارُ مَنْ أَكُونُ وَمَنْ أَنَا
فِي أَيِّ دَرْبٍ أَسْلُكُ طَرِيقِي
وَكُلُّ الدُّرُوبِ مُمَهَّدَةٌ لِحَتْفِنَا
أَمْشِي وَأَحْمِلُ الْعُمْرَ فِي يَدِي
وَفِكْراً يَغْتَالُ عَمْداً صَمْتَنَا
كَبِرْتُ وَمَا زَالَ الشَّتَاتُ
يَعْصِفُ بِي فَلَا هَدْياً نَحْوِي دَنَا
تَعِبْتُ الْمَسِيرَ فَلَا قَرَارَ أَصَبْتُهُ
وَأَرَى انْطِفَائِي فِي الْمَرَايَا مُعْلَنَا
نِصَالُ أَفْكَارِي إِذْ تَشَابَكَتِ
يَمُوتُ الْيَقِينُ بِي وَيُدْفَنَا
وَإِذَا ما خَلَوْتُ بِرِيبَةِ إِنْسٍ
عَادَ طَيْفُ بُؤْسِي سَيْفاً طَاعِنا
هُنَا الْحَيَاةُ تُغْرِينِي بِسِحْرِهَا
فَأَكَادُ أَضِلُّ بِهَا ضَلَالاً مَاجِنا
هُنَا الْحَرَامُ كَالْغَيْثِ يَهْطِلُ وَافِراً
يُصَاغُ لَنَا مِنْهُ شَرَاباً لَيِّنا
إِذْ مَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ أَذَاقَتْنِي
نِيرَانَ تَحَسُّرِي الْعَذَابَ مُلَوَّنا
حَرَامٌ سَهْلُ الْمَنَالِ مُطِيعٌ
يُغْدِقُ عَلَيْنَا النَّعِيمَ الْفَاتِنا
فِيهِ الْمَتَاعُ وَجَنَّةُ الدُّنْيَا
لَا فَقْرَ فِيهِ وَلَا ضَيْمَ يُفَرِّقُ بَيْنَنَا
يَبْسُطُ لِي كُلَّ صَعْبٍ وَمُحَالٍ
وَكُلُّ حُلْمٍ بَعِيدٍ يُصْبِحُ مُمْكِنا
فَهَذَا هُوَ الْحَرَامُ سَاحِرٌ
بِسِحْرِهِ يُغَيِّرُ بَعْضَ أَقْدَارِنَا
أَمَّا الْحَلَالُ صَعْبُ الْمَنَالِ
ثَقِيلاً عَلَيْهِ أَنْ يَطْرُقَ بَابَنَا
حَلَالٌ يَتِيماً لَا عِزَّ فِيهِ
غَيْرَ فَقْرٍ وَصَبْرٍ وَبُؤْسِنَا
يُطِيلُ الْغِيَابَ فَلَا يَأْتِي
إِلَّا وَرَشْحُ الْمَاءِ يُغْرِقُ جَبِينَنَا
يَأْتِي رُوَيْداً رُوَيْداً بَعْدَمَا
الشَّقَاءُ يَأْكُلُ نُعُومَةَ أَجْسَادِنَا
يَأْتِي زَهِيداً عَلَى اسْتِحْيَاءٍ
يَكَادُ يَسُدُّ رَمَقَ جُوعِ أَطْفَالِنَا
هَذَا الْحَلَالُ حَرَاماً عَلَيْهِ
كَمْ كُسِرَتْ فِيهِ ظُهُورُنَا
يَغْتَالُنَا عَمْداً حِينَ يَسْتَعْصِي
عَلَيْنَا فَلَا يُلَبِّي أَحْلَامَنَا
صَوْتاً يَصْرُخُ فِي مَدَى الضَّمِيرِ
إِنْ طَغَتْ عَلَيْنَا بِشَرِّهَا أَطْمَاعُنَا
لَهُ وَجْهَانِ كِلَاهُمَا يَسْرِقَانِ
مِنَّا السِّنِينَ وَالْأَنِينَ وَأَعْمَارَنَا
وَجْهٌ عَابِثٌ لَا يُطِيقُ الِانْتِظَارَ
مَا الْتَقَيْنَا إِلَّا لِكَيْ يَتِمَّ وَدَاعُنَا
وَوَجْهٌ عَصِيٌّ لَا يَقْبَلُ كَفِّي
وَرَحْلِي وَأَرْضَ بَيْتِي مَوْطِنا
نَجْتَهِدُ بِالْحَلَالِ عُمْراً طَاحِناً
لِنَجْنِيَ خَيْراً يَكَادُ يَسْتُرُ مَوْتَنَا
فَإِلَى أَيِّ أَمِيلُ حَرَامٌ سَهْلٌ عَلَيْنَا
أَمْ حَلَالٌ صَعْبٌ يَهَابُ لِقَاءَنَا
أَمْ مَوْتٌ يَغْتَالُ فِينَا ضَعْفَنَا
وَيَطْوِي بِصَمْتٍ السِّنِينَ وَوَساوِسَ شَيْطَانِنَا
أَفْكَارٌ تُرَاوِدُنَا إِذَا ضَاقَ بِنَا
السَّبِيلُ وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْنَا أَثْقَالُنَا
رَحْمَاكَ رَبِّي لَا تَدَعْ لِشَيْطَانٍ
عَلَيْنَا سَبِيلاً فَكَمْ أَحْرَقَتْهُ نِيرَانُ صَبْرِنَا
أَيُّهَا الْحَرَامُ جَمِيلٌ أَنْتَ شَهِيٌّ
وَلَكِنِ احْمِلْ مَتَاعَكَ وَابْتَغِ غَيْرَنَا
نَحْنُ الْمُذْنِبُونَ الْعَاصُونَ لَمْ يَبْقَ
لَنَا إِلَّا الْحَلَالُ الْعَصِيُّ يَسْتُرُ عُيُوبَنَا
أَيُّهَا الْحَلَالُ صَعْبُ الْمَنَالِ مُحَالٌ
وَلَكِنْ أَنْتَ الَّذِي نَبْتَغِي فِيكَ وَجْهَ رَبِّنَا
ضياءالدين رافت
25