| طفلٌ مكتهلُ الرؤى |
كفّي على صدر القصيدة جاثمة
فحروف قافيتي لبوحي كاتمة
وندوبي العطشى لنزفٍ آخرٍ
دومًا تُلحّ كزوجةٍ متشائمة
وأنا على ضعفي وقلةِ حيلتي
طوعًا أجيب بلوعةٍ متفاقمة
لا أرعوي عن نكئها بتذكّرٍ
كفراشةٍ حول المواقد حائمة
أتقمص الماضي قصيدةَ شاعرٍ
ألف القصائد للمشاعر فاهمة
حتى إذا هاجت طيوف أحبّتي
ليلًا تهاوت أدمعي المتراكمة
وتقاسم الليل الطويل جوارحي
عينٌ مسهّدةٌ وعينٌ نائمة
يا بائع الأحلام صدري مثقلٌ
والذكريات على جفوني عائمة
لي من صروف الدهر كأسٌ مرّةٌ
وأظنّ أخرى بعد حين قادمة
بعها سواي فقد ألفت توحّدي
وسئمت تلفيق الأماني الواهمة
يَا حادي الأطياف خَفِّفْ وَطْأَهَا
فقصيدتي تلد الصبابة رَاغِمَة
قلبي سقيمٌ والحوادث جمّةٌ
كابرت حتى قيل روحك سالمة
فإذا سرت من فرط وجدٍ أدمعي
شرِقت بها رئة الحنين الحالمة
فاسترجعت صورًا تأوب تواليًا
في مقلتين من الليالي الغائمة
وطني وأهلي، منزلي ومخيمي
أو قطّةٌ بين الخرائب هائمة
جدران مدرستي ودكّانٌ به
تغفو الطفولة فوق رفٍّ باسمة
أمي تناولني الصباحَ بصوتها
وتقول: "يا ولدي بلادك واجمة
قم وانظر الحاراتِ تأكل نفسها
غيظًا ولكنّ البنادق كاظمة
وانظر إلى غصص المخيم، شرفةٌ
تبكي وأخرى بالأغاني عارمة
في كلّ بيتٍ صورةٌ لمقاولٍ
باع القضيّة بالوعود الناعمة
فكأننا يوم ارتضينا حكمه
سخطت علينا كل أرضٍ غاشمة
نحن السجونُ ونحن حرّاسٌ لها
نرضى بأنصاف الحلول الآثمة
فاللاجئون على مشارف وهمهم
صاروا ضحاياهُ وروحًا ناقمة
يسترضعون اللات بعض حليبها
يوم ارتداء اللات ثوب الحاكمة
تعبت بلادك يا بني من الأسى
وأنا أعيذك من بلادٍ لائمة
إنّي نذرتك كي تكون بلادها
فاحمل رؤاها في رؤاك القادمة
كن يا بني طعامها وشرابها
سبعون عامًا والبيادر صائمة
سبعون عامًا والسلام ملطخٌ
بدم الضحايا والحمامة غارمة
والغابة الكبرى تغضّ بطرفها
وظلالها تخفي المجازر داعمة
هذي هي الأدوار في أوطاننا
كفٌّ مهيمنةٌ وأخرى خادمة
لكنّ زيتون البلاد تسامقت
طولا لأعمدة الدخان مقاومة
وجذورها ضربت بأعماق الثرى
وفروعها في كل أرضٍ قائمة
فاحذر أيا ولدي دروبًا لا ترى
للقدس فيها مبدأً أو خاتمة"
إيهٍ أيا أمّاه مدّي راحةً
لي فكرةٌ حيرى وعينٌ ساجمة
يمتصّني ضغط الحياة وزورقي
في أبحرٍ أمواجها متلاطمة
سرق النهارُ وركضه عقد الصبا
فنسيت نفسي في بلادٍ ظالمة
ما زلت أجمع للإياب رواحلي
شوقًا وألعن غربتي المتفاقمة
وأظنّني أزجي سحاب تغرّبي
عني قليلًا بالأماني الواهمة
لكن وإن مضغت جهاتي غربتي
ونُفيت في بطن الدروب القاتمة
سأظلّ ذاك الطفلَ مكتهلَ الرؤى
صدري بلادٌ والفؤاد العاصمة
-آزاد درويش