صندوق الحــياة أمـي
أحياناً، تكون الجملة الأصدق في هذا العالم: "أمـي"، فقط.
كل ما فـيّ يبدأ بكِ، يا أول نغمةٍ سُمعت في دمي.
كنت صغيراً، والعالم أكبر من خوفي..
إلا وجهك، كان صغيراً بما يكفي ليحضن رعشتي.
ما زلت أذكر كيف كانت يداكِ تقولان ما لم تقدر عليه اللغة،
كيف كانت دمعتكِ تسابق حـزني، ثم تعود قبلي، لتنتظرني في آخـر النـفق.
كنتِ المدى حين ضـاق الأفق،
والمعنى حين صار الكـلام بلا نكهة.
أمي..
لم تكوني امرأة فقط،
كنتِ صلاتي حين نسيت كيف أُصلي،
وذراعي حين سقطت في منتصف ضياعي.
كنتِ تفكين عقد قـلبي كما تفكين شعرك كل مساء، وتقولين لي دون أن تتكلمي:
"ابقى بخير لأني لا أعرف الحياة من دونك."
يا من تُدخِلين الضوء من النافذة فقط بضحكتك،
وتصنعين من صحن الطعام رسالة نجاة،
وتلثمين الجرح فـيّ قبل أن يشعر بي أحد.
لم أكتب هذا النص لأُدهشك.. إنما لأعتذر،
لأني كثيراً ما ظننت أن الأم تبقى دائماً،
فأجلتُ قُبل الحب، وتأخرت عن حكاياتٍ كان يجب أن أكتبها على كفكِ قبل أن تذهب السنين.
أمي،
لا ترفعي يديكِ إلى السماء إلا وأكون فيهما،
فأنا لم أعرف الطمأنينة إلا من تحت عينيكِ.
وإن سألوني يوماً عن أقصر طريقٍ إلى الله..
سأدلهم على وجهك.
أمي.. لا أحد يحبني كما فعلتي، ولا أحد سيعرفني كما عرفتني، ولا أنا كنت أنـا، لو لم تكـوني أنتِ.
---
16