دعاء الأرض
فَمَنْ يُعِيدُ إلى الأَغْصَانِ أغْنِيَةً
إذْ صَارَ صَمْتُ الرُّبَى نَعْيًا إلى الأَبَدِ
مَنْ لِلْعَصَافِيرِ بَعْدَ اليَوْمِ إنْ فَقَدَتْ
أَعْشَاشَهَا، وَتَوَارَتْ خَلْفَ مُتَّقَدِ؟
كانتْ جِبَالُ بِلادِي في مَهَابَتِهَا
خُضْرًا، فَصَارَتْ كَشَيْخٍ مُتْعَبِ الجَسَدِ
وَكانَ يَجْرِي عَلَى الوديانِ مُبْتَهِجًا
صَوْتُ الحَيَاةِ، فجفَّ الماءُ في الوَتَدِ
تَمُرُّ أُمِّي عَلَى الأَشْجَارِ وَاهِنَةً
كَأَنَّهَا تَلْمَسُ الأَحْبَابَ فِي كَبَدِ
وَيَسْأَلُ الطِّفْلُ: أَيْنَ الظِّلُّ يا وَطَنِي؟
فَيخمدُ الصَّوْتُ فِي عَيْنَيْهِ مِنْ كَمَدِ
أَيُّ الجَرَائِمِ هَذِي حِينَ يُحرقُ مَا
يُلقي صفاءً على الأنفاسِ والكَبِدِ
مَا كَانَ غَابِي سِوَى قَلْبٍ يُظَلِّلُنَا
وَمَوْعِدًا لِلصَّبَاحِ الغَضِّ وَالرَّغَدِ
يا مَنْ أَشَعْتُمْ دُخَانَ الخَوْفِ في وَطنِي
أَمَا رَأَيْتُمْ دُعَاءَ الأَرْضِ للوَلدِ
سَتَنْبُتُ الأَرْضُ، مَهْمَا جفَّ مورِدُها
وَيبرأُ الجُرْحُ في الأرجاءِ والبلدِ
سَنَغْرِسُ اليَوْمَ فِي الأَنْقَاضِ أَغْنِيَةً
وَنَسْتَعِيدُ رَبِيعَ العُمْرِ مِلء يدِ
ويا جَزَائِرُ، لا تَبْكِي، فَإِنَّ لَنَا
فِي كُلِّ حُرٍّ أصيلٍ،شَدَّةَ العضُدِ
نَبْكِي، وَلَكِنَّنَا نَبْنِي مِنَ الأَلَمِ
جِسْرًا، وَنَمْضِي إلى الآتِي على جَلَدِ
فإِنْ تَسَاقَطَ مِنْ أَغْصَانِنَا وَرَقٌ
فَالأَرْضُ تَحْفَظُ سِرَّ البَذْرِ والحَصَدِ
سَتَكشِفُ النَّارُ مَنْ أَلْقَى شَرَارَتَهَا
إنَّ الحَرَائِقَ لا تذْكو بِغَيْرِ يَدِ
وَنَحْنُ نَكْتُبُ فَوْقَ الصّخْرِ مَوْعِدَنَا
أَنْ لَا نُسَلِّمَ نورَ العينِ لِلرَّمدِ
هَذِي بِلادِي، وَإِنْ جفَّتْ منابِعُها
فِي قَلْبِ كُلِّ مُحِبٍّ غيثُها الأبدي
عروة الناسك
4 مشاهدة