رسالة من الخرطوم الى ابن غزة الحر:
من الأرض التي قيل إنها سلة غذاء العالم،
أكتب إليك يا عزيزي.
إن أبشع شيء عرفته البشرية هو الحرب التي لا تبقي ولا تذر.
مؤلم حد البؤس أن تُجبر على ترك الأرض التي تعلمت عليها المشي بثبات.
الغربة ليست في مغادرة الوطن ككل،
هناك من يعيش معنى الغربة عندما ينزح عن الأماكن التي شكلت طفولته وذاكرته الحرة.
نحن يا عزيزي،
خرجنا من ذات الرحم الذي يرفض الحياة التي تُعاش بذل،
وأن تُسرق أشياؤك التي تحب،
ومع كل ذلك يُطلب منك أن تتوقف لتشاهد بلا مقاومة،
وكأنك تمثال لا بشر من لحم ودم.
في غزة كما في السودان،
أمهات رفضت الدموع أن تخرج من
محاجرها من كثرة الفقد.
أن تحمد الله أن أشلاء ابنك مكتملة ولم يُدفن منه شيء ناقص.
هناك كما هنا،
الصمت هو الوسيلة الوحيدة لتقديم العزاء.
لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان وقد حرمت كل شرائع السماء ذلك؟
دراكولا لم يكن خرافة،
بل هو بشحمه ولحمه تاجر الرصاص والمعاناة في مدن الديمقراطية الكاذبة.
هم يريدون لنا أمرين لا ثالث لهما:
إما الفناء أو ارتضاء العبودية.
وعندما نُوضع بين خياري الفناء أو قبول الاستعباد،
علينا ألا نتوقف عن المقاومة.
الخرطوم وغزة يا صديقي جسد واحد،
ألبسوه ملابس رثة حتى يشمت فيه الأعداء وهم يضعون رجلًا على رجل،
ينتظرون منه أن يقترب من موائدهم ليستجدي الفتات من أجل البقاء،
ولكن هيهات.
سنخرج لهم من بين الجحور والصخور
والثغور وبطون الجبال،
وككل مرة سنكون كما أردنا أحرارًا وسننتصر هنا في الأرض ويوم العرض.
معاذ عثمان
1 مشاهدة