رائحة_ العائد..
للعجاف رائحة لا تخطئها الروح…
رائحة سنابل واقفة في الحقول بلا حبة.. وجرار مصطفة في البيوت بلا قطرة.. وأيد عائدة من الدعاء تحمل في راحاتها حرارة الرجاء وحده.
وقد تمر بالإنسان أعوام لا ينقصه فيها الخبز… وينقصه الطعم.
لا تغيب الشمس… ويغيب الضوء.
لا يخلو البيت… ويستوحش القلب.
وتلك مجاعة لا تراها الموائد.
أن تنتظم الأشياء حولك على أكمل هيئة.. ويظل فيك موضع نحيل يقضم صمته.. لا اسم لجوعه.. ولا جهة لفقده.
ولعل هذا بعض سرّ يوسف…
فحكايته لم تكتبها البئر وحدها.. بل كتبتها ثلاثة قمصان:
قميص حمل أثرا لم يصنعه الجسد…
وقميص أبقى في شقه جهة الحقيقة…
وقميص عبرت فيه رائحة الغائب حتى ردت الضوء.
القماش واحد… وما حمله من المعاني أمم.
و يا لغرابة الخيط حين يصبح شاهدا..
مرة يحمل أثرا لا يشبه صاحبه.. ومرة تنطق شقته بما عجزت عنه الألسن.. ومرة تكفي رائحته ليعود الضوء إلى عينين أكل الحزن سوادهما.
أثر وشاهد… غياب وإياب… عتمة واستنارة.
ثلاثة قمصان.. والحقيقة في كل مرة تعرف طريقها من غير لسان.
حتى البئر خانت ظاهرها.
حسبها الإخوة حفرة يطمرون فيها أثرا.. فإذا هي أول شق في جدار المصير.
أنزلوه كي يغيب عن وجه أبيه…فخرج من الجهة الأخرى إلى وجه التاريخ.
وكم تخطئ العين قراءة الطريق…نرتعب من صوت باب يصفق.. ولا نسمع المفتاح وهو يدور في الجهة الأخرى.
تثقلنا خطوة نظنها أخذتنا بعيدا.. وقد تكون تعيدنا.. في منعطف خفي.. إلى الموضع الذي أضعناه في أنفسنا.
فبعض الأسفار لا تعيد المرء إلى بيته…
تعيده إلى نفسه قبل أن يمسها الغبار.
يخرج مثقلا بأسماء الأشياء.. ويعود أخف من اسمه.
يخرج وفي صدره ازدحام عمر كامل.. ويعود وفيه فسحة تكفي لنبضة جديدة.
يخرج وهو يحمل قلبه كما يحمل المرء متاعه.. ويعود كأن قلبه هو الذي حمله.
وكأن الطريق.. في سره.. لم يكن انتقالا بين مكانين… كان خلعا خفيا لما أثقل الروح.
خطوة تترك وراءها شيئا… ودورة ترد القلب إلى مركزه… وماء يمر على الجسد.. فيبلغ موضعا أبعد من الجسد.
ولا يعرف المرء على وجه الدقة أين حدث ذلك.
أعند أول عتبة خلع عندها ضجيجه؟
أم عند دوران أضاع فيه الجهات ولم يضع وجهته؟
أم عند ماء لامس شفتيه.. فشعر أن عطشا قديما كان يسكن في مكان آخر؟
ثم يعود…
الوجه هو الوجه.. واليدان هما اليدان.. والاسم ما زال في موضعه.
لكن شيئا دقيقا لا تراه المرآة يكون قد تبدل.
كأن الروح غسلت نافذتها من الداخل.
و كان القميص الأخير أعجبها.
لم يحمل ذهبا… ولا خبزا… ولا بشارة مكتوبة.
حمل رائحة… وكانت الرائحة كافية.
رائحة تعرف طريقها إلى الذاكرة من غير استئذان… رعشة تعرف صاحبها قبل العين… ونسمة تمر على الوجه فترد إلى القلب اسمه الأول.
وبعض الرحلات لا تقاس بما قطعته القدم.. بل بما أسقطته الروح عنها في الطريق:
اسم قديم للألم… غبار عالق بالذاكرة… وثقل ظنناه جزءا منا حتى مشينا بدونه.
وعند العودة.. لا يكون العجب أنك بلغت آخر الطريق…الدهشة أن تفتش في صدرك عن الذي خرج معك.. فلا تجده.
الماء ماء… والباب باب… والصباح يصعد من الجهة التي اعتادها…وأنت وحدك لست الذي ذهب.
كأن العمر غسل الحبر عن أصابعك.. ووضع أمامك بياضا لم تكتب عليه الحياة بعد.
فبعض الأسفار نغادرها عائدين…
وبعضها نعود منها قادمين إلى الدنيا للمرة الأولى.

4 مشاهدة