حبر دجلة ومجاز الرواة
تذكرتُ أول فوج سياحي رافقته عند سور المدينة، حين وقفت أشرح لهم بحماس الشباب عن النهر الذي اسودّ ماؤه من حبر المخطوطات لما دخل المغول بغداد. نظرت يومها في عيون السياح فرأيت الذهول يعجبهم، لكن أستاذي القديم كان يقف في آخر الصف وهز رأسه بأسف وعاتبني لاحقاً قائلاً إن المجاز الأدبي ليس وثيقة. بقيت كلمته ترن في أذني كلما فتحت كتاباً.
اقعد بحكيلك؛ المؤرخون متفقون على أن الغزو المغولي عام 1258م كان فاجعة حقيقية دمّرت معالم المدينة وخزائنها، لكن سالفة تحوّل مياه دجلة إلى اللون الأسود من الحبر كانت مجرد تعبير بلاغي متأخر زاد فيه الرواة. حتى بيت الحكمة الشهير، الدراسات بتؤكد إنه تراجع وتلاشى عملياً قبل قرون من ذلك الحصار وليس مكتبة مركزية أُحرقت فجأة دفعة واحدة، ناهيك عن أن جزءاً نفيساً من المخطوطات العلمية أُنقذ ونُقل إلى مراغة. كان في ناس هون قبلنا يحبون تهويل الخسارة بالشعر، بينما الواقع نفسه لا يحتاج تزييفاً ليكون موجعاً.
أرجع الآن إلى بيتي ورأسي يدور بكل ما سمعته في لمّة العائلة من حكايات متوارثة نكررها بلا تثبت، ونظارتي القديمة تنتظرني لأراجع ما حفظت شفهياً... وبكرة بكمّل.
تنبيه: هذه رواية مبسّطة بصيغة حكاية، والتفاصيل الصغيرة متخيَّلة. للتحقق، راجع المصادر التاريخية الموثوقة.
المصادر: wikipedia.org
#حكايات_التاريخ
1 مشاهدة