قلبي فراتٌ والشجون روافدُه
يجري جنوبًا والرياح تعاندُه
تتوسّل الدنيا على شطآنه
وتظلّ تركض خلفه وتطارده
فيردّها،
متشبثٌ جريانه بسمائه
كي لا تجفّ موارده
ولأنه عذب المياه،
خريره همسٌ،
تردد كل يومٍ وارده
ألقى على الشطآن كل همُومِه
متغافلًا عمّا يرى ويكابده
لله قلبٌ مُدّ من أطرافه
حتى جرى بحرًا تحيّر شاهده
فيضانه غمر الخرائط كلها
كرمًا إلى الغيمات مدت ساعده
ولأن هذي الأرض
يُجرح خدها من جريه
صار الركود يراوده
فلكم ربا في جوفه من لؤلؤٍ
عادت على جيب الضياع فوائده
ولغت به شمس الغروب فخُضّبت
يوم النوى بالمسكرات خرائده
وتكفلت جزر الحياة بفصله
فطغى على دفء التدفق بارده
ظنًا بأن "الآن" لا جدوى بها
كانت إلى الذكرى تميل عقائده
لَيَشُوقه وطنٌ يكاتبه الهوى
وتأزُّه بالذكريات مشاهده
وله لغاتٌ دون حرفٍ واحدٍ
وله رسولٌ كالزجاجة ناهده
في كفّه صنارةٌ وهواجسٌ
يلقيها طعمًا كي تثار فرائده
وبقدر ما مدّ الجوى من خيطه
قَلُصَت مع الليل الطويل وسائده
فكأنّه ينسلّ من أطرافها
وكأنّما في الجفن يجلس ساهده
ودّ الندى للمفرحات يزفّها
لكن أسارى للرثاء قصائده
تغدو به سفن الهموم بطيئةً
وتروح من بعد الهموم شدائده
لله قلبٌ ليس يُدرك عمقه
من أيّ أنفاس الحنين صواعده
هل يا ترى يصل المنابع كرّةً
أم أُجّلت بعد المصب مواعده