أنوثة
تداخلت الخطوط التى حفرتها مريم فوق المائدة الخشبية حتى كونت شيئا ما مبهم الملامح لايعرف معناه إلا هى، اعتادت فى حصة الرياضيات أن ترسم مخاوفها فوق المائدة و تتأمل انعكاس وجهها على ظهر القلم الفضى، ملامحها البيضاء الجميلة، عيناها السوداوان الخجلى دائمًا المسكونتان بآلاف الكلمات لاتجرؤ على البوح، أنفها الدقيق المنمنم علامة جمال ثالثة..شفتاها المضمومتان باحمرار فطرى رائع ولكن... ما بين أنفها وشفتيها وصمة تطاردها حتى فى أحلامها.. شعيرات مخضرة سخيفة شوهت جمالها وجلبت سخرية زملائها بالمدرسة (شارب) لوث جمالها كأنه بقعة زيت طفت فوق سطح النهر
-ماذا تفعلين يامريم؟
بسخرية عصبية ناداها الأستاذ خالد الذى يعتبرها-كما يقول- أفشل طالبة بالصف الثالث الإعدادى! لاتنتبه للشرح، دائمًا شاردة ترسم ، ازداد احمرار وجهها بعدما انغرزت فيه أنظار الطلاب ..
أكملت باقى الحصة تحدق فى أرضية الحجرة، تعد قطع البلاط.. لاتجرؤ على رفع عينها خشية أن تصطدم بنظرات ساخرة من زملائها أو نظرة غاضبة من الأستاذ ..
"وهكذا ننهى حصة اليوم وسأنتظركم الثلاثاء المقبل، أجيبوا عن كل التمارين ..تستطيعون الانصراف"..
بهذه الجملة أنهى الأستاذ خالد الحصة واحتشد الطلاب عند الباب واخترق أذنيها الرقيقتين صوت حاد ساخر :
"مريم ذات الشارب ! "
صوت رقيع آخر :
"شاربها أكبر من شاربى!!"
دمعت عيناها غضبًا ..
لماذا يسخرون منها ويصرون على إيلامها؟
إنها لاتجرؤ على الشكوى للأستاذ ،خجلها الطبيعى يمنعها.. تتحاشى الاصطدام بالآخرين دائما ولكن يبدو أن هذا لايكفى، دائما مايسخرون منها.. من صمتها وضعفها وخجلها و...وشاربها ..
حاولت أن تخبر أمها بمشكلتها مرارًا فلم تلق لها بالا ، حدثتها عن سخريتهم وطلبت منها المعونة فلم تظفر منها بغير جملة واحدة
-دعك منهم
هكذا فقط .. وكأن المشكلة انتهت!
وعادت تبحر فى الصفحة الزرقاء الداكنة تعلق على هذا وتتفاعل مع تلك ، ولكن الأمر اليوم مختلف، لقد وصلت السخرية حد إطلاق الألقاب "مريم ذات الشارب" هكذا نعتها الحقير!
سالت دموعها فأغرقت طريق العودة للبيت يأسًا وخجلاً وهى لاتدرى كيف تصنع، فهى بلا خبرة على الإطلاق، تنهدت لتطلق زفراتها الحارة فى الهواء فتكاد تحرق النهار، تغطى غشاوة الدموع عينيها فتريها كل الكائنات مهتزة كأنما يتراقص الناس فى الشارع سخرية منها .. وكأن حديث الجالسين على المقهى غيبة لها.. وكأن ضحكات الطفل الذى يلهو فى الشارع مع أصدقائه استهانة بها وبوجهها الذي...
"انتبهى أيتها الحمقاء!!"..
أفزعتها الصيحة الغاضبة من فم سائق الميكروباص وهو يتفاداها بصعوبة تصاحبها أصوات نفير السيارات وتحول الشارع لفوضى، جرت للناحيةالمقابلة تضرب نبضات قلبها فى سقف رأسها خوفًا وخجلا من نظرات المارة التى تحاصرها من الجهات العشرة! ..
أكملت طريقها عدوًا حتى وصلت لبيتها لاتريد إلا البكاء فى حضن أمها فقط، ضغطت جرس الباب ثم أخرجت مفتاحها وفتحت الباب وهى تتساءل:
- أين ذهبت أمى؟!
كانت أمها بالصالة تعبث فى (التابلت) ولم تكلف نفسها عناء فتح الباب أو حتى الالتفات لها، وأخيرًا لما طالت وقفتها فى منتصف الصالة التفتت لها أمها و سألتها :
-مالك تلهثين هكذا ؟
قالت بصوت خافت وكأنها تخشى أن تعاقبها :
-لقد تعرضت لحادثة سيارة
بلا مبالاة قالت أمها وهى تقرأ منشورًا ما:
-لقد طلبت منك مرارًا أن تنتبهى للطريق!
اسودت الدنيا أمامها وهى تردف:
-إن الطلبة يسخرون منى يقولون لى" مريم ذات الشارب"
دون عن ترفع الأم عينيها عن الشاشة قالت:
-اخبرى الاستاذ
أسقط فى يدها وهى ترى كل الخيوط التى تربطها بالحياة تتمزق، لقد بدت لها حياتها سلسلة من الاحباطات لاتستحق أن تعاش، فكت غطاء رأسها الذى يخنقها ثم دخلت الحمام عيناها حمراوان.. كأسان من الدم وجهها منتفخ- كيف لم تلحظ أمى ذلك؟! - ثم هذا الكائن الوقح الذى ينمو فوق شفتيها فيطردها من مملكة الأنوثة ويدفعها لعالم الصبيان يجثم فوق فمها رمزًا للسخرية، ودخلت الحمام واتخذت قرارها بإنهاء هذه الحياة.. فتشت فى أشياء أبيها حتى وجدت ماتريد، ماكينة حلاقة لم يستعملها مازالت مغلفة، أخرجتها وكأنما تستل الخنجر من غمده.. لمع نصل الشفرة أمامها ومعه لمعت الفكرة فى رأسها وعروق يدها الخضراء تنبض إذ رفعت يدها أمام عينيها وكأنها تغريها على فعلتها، كأن أوردتها تدعوها أن تنهى المأساة.. رفعت الشفرة أمام عينيها وقلبها يرتجف من هول القادم والدموع تنساب على وجنتيها بلا حساب ثم فجأة هوت بها ...
وبدأت الحلاقة ..
#قصة_أنوثة
#مجموعة_قصصية_أنوثة
#عبدالمعز_صفوت
7