من أوراق الليلة.. حكايات من التراث اليمني 📜✨ "أحكم الحكماء وسر الشكوى"
يُحكى أنه في إحدى القرى اليمنية الجبلية، كان هناك رجلٌ كثير الشكوى والتذمر يُدعى صالح. كان صالح يرعى أرضاً صغيرة، لكنه لا يرى فيها إلا التعب والقلة، وكان دائم المقارنة بين حاله وحال غيره، ويرى أن الحظ حليفه في الشقاء فقط.
سمع صالح عن حكيمٍ مسنٍّ يعيش في أعلى الجبل، يقصده الناس من كل حدب وصوب لطلب النصح والحكمة. فقرر أن يسعى إليه ليعرض عليه حاله ويجد عنده حلاً لقلة رزقه وضيق صدره.
صعد صالح الجبل الشاهق حتى وصل إلى كوخ الحكيم، فوجده يجلس هادئاً تحت شجرة سدر عتيقة، وأمامه كوب من القهوة القشر.
جلس صالح وبدأ يسكب شكواه:
💬 "يا شيخنا الحكيم، أنا أشقى أهل الأرض! أرضي صغيرة، ونسيمي عليل، ومحصولي لا يكفيني، والناس حول يعيشون في رغد وأنا في عناء دائم، فما السر في سوء حظي؟"
استمع الحكيم بإنصات وتبسم ابتسامة هادئة، ثم جلب كوباً فارغاً ووضع فيه حفنة كبيرة من الملح، وصَبّ عليه الماء حتى امتلأ، ثم قدمه لصالح وقال له:
💬 "اشرب من هذا الكوب وأخبرني برأيك."
تجرع صالح جرعة واحدة ثم مجّها بسرعة وقال بغضب:
💬 "إنه مالحٌ جداً ولا يُطاق!"
أومأ الحكيم برأسه، ثم أخذ نفس الحفنة من الملح واقتاد صالح إلى غدير ماء صافٍ يتدفق من نبع الجبل، وألقى الملح في الغدير. ثم غرف بكوب نظيف من ماء الغدير وقدمه لصالح وقال:
💬 "اشرب الآن وأخبرني."
شرب صالح حتى روي وقال:
💬 "ماءٌ عذبٌ سلسال، لا أثر للملح فيه!"
هنا جلس الحكيم إلى جواره وقال بنبرة دافئة:
💬 "يا صالح، مرارة الألم في هذه الحياة تشبه الملح تماماً؛ كميته ثابتة لا تتغير. ولكن مرارة عيشك تتوقف على الإناء الذي تضع فيه ألمك! فإن جعلت قلبك وضيق صدرك كالكوب الصغير، ستبقى كل مرارة في حياتك لا تُطاق.. وإن وسّعت صدرك ورضيت بما قسم الله لك وجعلت روحك كالغدير الجاري، ستذوب كل المرارات ولن تذوق إلا حلاوة العيش."
رجع صالح إلى قريته بقلبٍ جديد، وصار كلما دهاه أمرٌ أو ضاق به حال، تذكر درس الغدير، ووسع صدره بالرضا والشكر.
💡 الحكمة من الحكاية:
"الرضا إناء الروح"؛ لا تتغير صعوبات الحياة ومتاعبها، بل يتغير إدراكنا لها وسعتنا في استقبالها. من ضاق صدره ساء عيشه ولو ملك الدنيا، ومن اتسع صدره بالرضا والقناعة طاب عيشه ولو لم يملك إلا القليل.
#حكايات_من_التراث #التراث_اليمني #قصص_وحكم #نوري_أفندي #مجتمع #أدب #مجتمع_عام

12