إيميلدا
إيميلدا
سُقراط كان ثائرًا وشُجاعًا مثلما كان فيلسوفًا وحكيمًا, حُكِمَ عليه بالإعدام لأنه تحدّى الطاغية أقريطاس, كان يُمكنه تبديل العُقوبة بالنفي .. لكنه لم يفعل, كان يمكنه الهرب بمساعدة أصدقائه وتلاميذه .. ولكنه لم يهرب, لم يجزع من الموت ولم يتراجع عن مواقفه وآرائه, وقف وقال جُملته الخالدة " لنواجه الموت بشجاعة كما واجهنا الحياة, وليست المُشكلة يا قضاتي في أن ننجو مِن الموت, بل في النجاة مِن الجريمة"
حياة سُقراط مُثيرة للتأمّل, وآراؤه مُحفّزة على التفكير, ولكن هل نحن نمتلك الشجاعة على مواجهة أفكارنا؟ على مواجهة الحياة؟ أم نحن جُبناء, نخشى التفكير ونُقنع أنفسنا بأن السعادة في التغافل وتقبُّل العادة!
أين تختبئ السعادة يا إيميلدا؟ فتّشت عنها كثيرًا ولم أجدها, فتّشت عنها في الكُتب وفي الموسيقى, في الليل وفي الكتابة .. وفيكِ, لم أعثر عليها, ولا طريق يؤدي إليها.
رُبّما تختبئ السعادة في الحِكمة, إن مَن يبلغ القليل من الحكمة يقتنص الكثير من السعادة, لكن كيف نرجوالسعادة ونحن لم نخطُ ولو خطوة واحدة نحو الحكمة!
شوبنهاور كان أشدّ الكارهين للحياة, كان يعتبرها مجرّد معبَر, ويرى الإنسان حلم من الأحلام, لكنه وبرغم تشاؤمه وكآبته, كان مُحبًا للفن والطبيعة, يتأمّل اللوحات ويتجوّل في الجبال والغابات, يتحدث إلى الأشجار, ينعزل عن الناس والعالم, يُبرّر عُزلته " إن حُبي للناس يقلّ كُلّما زِدت بهم علمًا"
وأنا يا رفيقَتي أحب العُزلة .. بلا مُبرّرات, لا أكره الناس, أؤمن بأن تقلّبات وتناقضات البشر شيء طبيعي, وأن أخطاء المرء هي جُزء من شخصيته, الإنسان حتى وإن كان عبقريًا, فإنه - وكما وصفه أفلاطون- فيه خسّة وفساد, فنصفه يستطيع أن يكون وحشًا, إذا سما نصفه الآخر إلى مصاف الحٌكماء.
أؤمن بأن كُل مَن يحاول فَهم ذاته وفكّ تعقيداته هو فيلسوف ومُفكّر.
إنها تجربة صعبة ومُهمة شاقّة, أن يتوغّل الإنسان في دهاليزه المُظلمة ويغوص في أعماقه السحيقة, أن يواجه أفكاره ومخاوفه, إنها أخطر معركة قد يخوضها الإنسان, لكنه, في كل الأحوال, يخرُج منتصرًا.
إيميلدا, سنوات وأنا أكتُب لكِ, لماذا؟ لأنني أحتاج لِمَن أتحدّث معه .. لِمَن أبوح له بما بداخلي وما يؤرقني, كل إنسان يحتاج إلى ذلك, نحن في أمسّ الحاجة إلى إفراغ ذاكرتنا من ذكرياتنا, نحتاج لتنظيفها من الحُزن ومحو ما فيها من دمار.
وأنا ذاكرتي ساحة ألعاب, وعقلي تلهو به الأفكار كأنه كُرة مِن المطّاط, ذاكرتي غُرفة بلا نوافذ أو أبواب, غُرفة يسكنها الماضي, يستأجرها قلق المُستقبل, تحتلّها امرأة مُتقلّبة, تحفظ السعادة في قلبها وتأبى الخُروج, امرأة .. استقرّ الوطن في عينيها .. نامَت ولم تستيقظ.
وداعًا, وتذكّري بأنني أنتظر ردًّا لن يأتي .. لن يأتي أبدًا.
#احمد_سيد_عبدالغفار #مجتمع #أدب #مجتمع_عام

8 مشاهدة