خاطرة:مغسلة أفكاري
كُنْتُ مُتَّكِئَةً عَلَى سَرِيرِي، مُنْفَرِدَةً، وَأُمْسِكُ هَاتِفِي بِأَصَابِعَ مُرْتَخِيَةٍ، وَشَعْرِي مُنْسَدِلٌ عَلَى كَتِفِي. فَجْأَةً...، رَنَّ هَاتِفِي.
نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِمَلَلٍ؛ فَقَدْ عَرَفْتُ الْمُتَّصِلَ الْمُعْتَادَ.
تَأَوَّهْتُ مِنْهَا؛ فَقَدِ اعْتَدْتُ مِنْهَا الْعَتَبَ الْمُتَكَرِّرَ، مِثْلَ أُسْطُوَانَةٍ بَارِدَةٍ. أَجَبْتُهَا، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ بِمَا سَتَقُولُ.
قَالَتْ: «هَيَّا بِنَا لِنَخْرُجْ، نُخَالِطِ النَّاسَ، وَنُجَالِسَهُمْ، وَنُضَاحِكَهُمْ، بَدَلًا مِنْ جُلُوسِنَا هُنَا! تَضَجَّرَتْ مِنْكِ الْجُدْرَانُ، وَصدِئَ حَدِيدُ بَابِكِ أَنْ لَا أَحَدَ يَفْتَحُهُ».
قَاطَعْتُهَا، وَسَأَلْتُهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ: «هَلْ تُوجَدُ هُنَا لَكِ مَغْسَلَةٌ؟»
قَالَتْ بِاسْتِنْكَارٍ: «أَتُرِيدِينَ مَغْسَلَةً فِي وَجْهِتِنَا؟ أَتَمْزَحِينَ!! أَلَا تُوجَدُ مَغْسَلَةٌ فِي بَيْتِكُمْ؟»
قُلْتُ لَهَا: «يَا فَتَاةُ، أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى مَغْسَلَةٍ سِحْرِيَّةٍ، أَضَعُ رَأْسِي تَحْتَهَا، فَتَغْسِلُ مِنْهُ كُلَّ الْأَفْكَارِ الَّتِي تُؤْلِمُنِي، وَالَّتِي أَرَّقَتْنِي، وَالْمَوَاقِفَ الَّتِي جَرَحَتْنِي، وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي أَمْرَضَتْنِي، وَالْكَلِمَاتِ الَّتِي حَرَمَتْنِي سَلَامِيَ الدَّاخِلِيَّ.
أَحْتَاجُ مَغْسَلَةً أَضَعُهَا عَلَى مَكَانِ قَلْبِي، فَيَنْضَب مِنْهَا صَدِيدُ كُلِّ جِرَاحِي، وَيَخْرُجُ مِنْهَا حُبُّ كُلِّ بَشَرٍ، وَيَذُوبُ مِنْهَا كُلُّ شُعُورٍ رَقِيقٍ أَذَلَّنِي بَيْنَ النَّاسِ.
أَحْتَاجُ أَنْ أَعُودَ خَفِيفَةَ الْوَزْنِ، لَا أَحْمِلُ عَلَى أَكْتَافِيَ الصَّغِيرَةِ أَطْنَانًا مِنَ الْأَثْقَالِ. أُرِيدُ أَنْ يُصْبِحَ ذِهْنِي فَارِغًا مُشْرِقًا. أُرِيدُ أَنْ يُفَرَّغَ رَأْسِي مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ سِوَى نَفْسِي فَقَطْ.
أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ، عِنْدَمَا أَتَكَلَّمُ، أَتَكَلَّمُ مِنْ أَعْمَاقِي، بِكَلَامٍ يَتَرَدَّدُ صَدَاهُ في جوفِ نَفْسِي. وَعِنْدَمَا أَبْتَسِمُ، لَا تَكُونُ ابْتِسَامَتِي مُجَرَّدَ ظِلٍّ عَلَى حَائِطِ ذَقَنِي، بَلْ تَكُونُ رَسْمَةً مَنْقُوشَةً تَمْتَدُّ مِنْ قَلْبِي إِلَى خَارِجِ فَمِي.
هَلْ تَعْلَمِينَ لِمَاذَا لَمْ أَعُدْ أُحِبُّ مُجَالَسَةَ النَّاسِ؟
لَيْسَ لِأَنَّنِي مَهْمُومَةٌ، أَوْ انْطِوَائِيَّةٌ، أَوْ أُحِبُّ الْعُزْلَةَ، بَلْ لِأَنَّنِي لَمْ أَعُدْ أَحْتَمِلُ التَّمْثِيلَ.
نَفِدَ رَصِيدِي مِنَ التَّظَاهُرِ، وَاكْتَفَيْتُ مِنَ الْمُجَامَلَاتِ، وَصِنَاعَةِ الِابْتِسَامَاتِ الْمُزَيَّفَةِ أَمَامَ عَقَارِبَ عَلَى شَكْلِ بَشَرٍ كَانُوا هُمْ سَبَبَ أَذِيَّتِي.
خِفْتُ أَنْ أَظْهَرَ عَلَى حَقِيقَتِي أَمَامَهُمْ، وَعِنْدَئِذٍ سَأَنْدَمُ؛ لِأَنَّهَا أَيْضًا لَنْ تَكُونَ حَقِيقَتِيَ الْفِعْلِيَّةَ، بَلْ سَتَكُونُ رَدَّ فِعْلٍ لِمَا فِي دَاخِلِي.
أَنَا سَعِيدَةٌ هُنَا؛ لِأَنَّنِي عَلَى طَبِيعَتِي. لَا أَحْتَاجُ لِلتَّمْثِيلِ أَمَامَ نَفْسِي، وَلَا لِلتَّصَنُّعِ. أُحِبُّ نَفْسِي، وَهَذَا يَكْفِينِي.
وَاخْتَلَطْتُ بِنَفْسِي، وَأُجَالِسُهَا، وَأَتَبَادَلُ مَعَهَا الِابْتِسَامَاتِ؛ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ بِطَاقَتِي وَذَخِيرَتِي النَّفْسِيَّةِ، كَيْ أَسْتَعِيدَ نَفْسِيَ السَّابِقَةَ، وَأَنْتَشِلَهَا مِنَ الْوَحْلِ الَّذِي أَسْقَطُونِي فِيهِ، حَتَّى أَعُودَ لِنُسْخَتِيَ الَّتِي اشْتَقْتُ لَهَا، الَّتِي أَحْبَبْتُهَا.
النَّاسُ غَارِقُونَ فِي الشَّوْقِ لِمَنْ يُحِبُّونَ، بَيْنَمَا أَنَا أَشْتَاقُ لِنَفْسِي السابقة.
لَسْتُ أَكْرَهُ النَّاسَ، لَكِنَّنِي أَكْرَهُ نُسْخَتِيَ الَّتِي أَظْهَرُ بِهَا أَمَامَهُمْ.
*نَعَمْ، كَانَ الْمُتَّصِلُ بِي هِيَ أَنَا، مِنْ هَاتِفٍ فِي عَقْلِي، وَالْمُجِيبُ أَنَا، مِنْ هَاتِفٍ فِي قَلْبِي؛ تُلَاوِمُنِي وَأُبَرِّرُ لَهَا.
طَالَمَا أَعَدْنَا هَذَا الْحِوَارَ دَائِمًا، حَتَّى إِنَّنِي أَعَتُدتُ عَلَيْهِ*
𝓐 | أميرة القوافي 🪶
6 مشاهدة