
مقال 10 دقائق للقراءة
حتّى يفرقنا الموت!
عن الحب الذي يتغير، والزواج الذي يبقى، وحاجتنا الغريبة إلى أن يعرف أحدٌ أننا هنا
لم يكن الزواج دائما قائما على الحب عبر مر العصور بل كان يوصف بانه "اتحاد معترف به اجتماعيا" لكن هذا لا يعني ان الحب كان غائبا عن مشروع الزواج في المجتمعات الأولى، الانسان القديم يبحث عن الاستقرار والمكانة الاجتماعية,حينَ فكرتُ في الزواج لم افكر بالحُبّ ,وحفلات الزفاف والنصف الاخر الذي يحاول هذا المجتمع ايهامنا بوجوده بل بالنسبة لي كان الامر ابسط واكثر غرابة: لماذا قد يبقى انسان في زواجٍ حتى بعد ان ينطفئ شعوره؟ فالزواج كما نعتبره هو النهاية المثالية للحُب الناجح, يحب شخصان بعضهما بعضا فيتزوجان ليبدآن معا حياةً مشتركة, وبعدها يتغير الحب, فلماذا يتغير الحب؟ ماذا يحدث اذا لم يستمر الشعور الاول, ومع ذلك يبقى الزواج؟! يبدا الامر على ما استنتجه بكونه اجتماعي بحت, فالزواج مظهر اجتماعي على المستوى الاول, الدائرة الطبيعية للانسان هي اهل_ اقارب_ اصدقاء _مجتمع, بالتالي فهذا ما يشكل الصورة المجتمعية النهائية لذلك فان العلاقة قد بنيت وفق هذا الاطار ولذلك ربما يشعر الانسان انه ببساطة لا يستطيع قول: (انا لن استطيع البقاء اكثر) ثم يذهب, ربما الانسان لا يبقى فقط لان المجتمع يطلب منه هذا البقاء بل لانه اعتاد على هذا الارتباط الذي يوفر له عدة صور مستقرة منها ان له اسرة قد لا يسعى هو الى بذل جهد في توظيف انسانيته لديمومة مشروع استقرارها هذا. عبر التاريخ لم يتم زواجا من اجل الحب او هذا ما قد نتوقعه من الانسان العاميّ في الحضارات القديمة بل كانت اغلب الاسباب اقتصادية او اجتماعية او عائلية, لكني بدات اشك في هذه الفكرة نفسها لان وجود وظائف اجتماعية واقتصادية للزواج لا يعني ان الحب لم يكن احد دوافعه، اعتقد ان الحب عبر التاريخ كان اعقد من هذا, وان الزواج عبر الازمان لم يكن يؤدي وظيفة واحدة فقد ارتبط بتربية الاطفال وانشاء الروابط بين العائلات وبشكله الاوسع كان يحظى بمزايا اقتصادية وسياسية اذ لا يعد لوحده مؤسسة تنشئ من خلالها بيتا مستقرا طويل الامد وتتقاسم الموارد والعمل! مارتن سيغالن المؤرخة الانثروبولوجية تحذر من الصورة السهلة للزواج القائلة انه:
في الماضي كانو الناس يتزوجون من اجل المال والمصلحة اما اليوم فنحن نتزوج من اجل الحب
لان التاريخ الفعلي للزواج كان اكثر تعقيدا من هذا التقابل, لان الحب اليوم لا يحمل المعنى الذي كان يحمله في الامس، وهذا لا يعني ان الانسان السابق لم يكن يتزوج من اجل مفردة الحب واشكاله وعلاقاته، بل كانت مفرداته اكثر شمولا واتساعا ووضوحا مما هو عليه اليوم, ربما ان الفجوة هذه هي المشكلة في فهم شكل الحب اليوم الذي كان في السابق بحثا عن الاستقرار والعائلة والاطفال والمكانة والتحالف, عن شخص يشاركني الحياة, ربما كان المفهوم الذي دفع الانسان للزواج هو الحاجة الى شيء اقدم من الحب الرومانسي نفسه, ربما كان الانسان يعرف شيئا اخر لا يتهشم بسهولة كالحب وهو وجوده, انه يريد ان يكون وجودهُ مُهما، او ربما كان هذا جزءا من الحب لا بديلا عنه, ولهذا لا يجب وضع الحب والمصلحة كطرفين متناقضين فقد يستطيع الانسان ان يحب شخصا وفي الوقت نفسه يرى ان الزواج استقرارا وحياة مشتركة, وهنا يجب ان نشك في السؤال نفسه, لعله لم يكن من المناسب جدا ان اتسائل هل كان الزواج في الماضي عن حب؟ بقدر ما كان يجب ان يكون كيف كان الحب يعيش داخل مؤسسة تؤدي وظائف كثيرة في الوقت نفسه؟ فالتاريخ كما تشير سيغالن لا يسمح بهذه الثنائية السهلة بين زواج قديم للمصلحة وزواج حديث للحب. اعتقد ان الفكرة التي بحثت عنها لافهم الحب والزواج والتفاوت في المفاهيم والغايات لم تكن الحب وحده بل هي قيمة البقاء والوجود, ان هناك شخصا ينتظر ويلاحظ, شخصا يحفظ العادات الصغيرة والتفاصيل المبهمة التي لا يراها احد, شخصا اذا اختفى لن يكون الامر وكأنه لم يكن هناك احد من الاساس, ربما لهذا لا تكون العائلة مجرد شبكة نعيش معها, الانسان لا يعيش منفردا بل يكون بالغالب مربوط بعُقد كثيرة اصلا، لهذا الزواج قد يكون حبلا يربط الانسان بالحياة حتى لا يموت وحيدا, فالحبل قد ينقذ الانسان من السقوط, لكن في نفس الوقت اعتقد ان هذا الحبل لشخص آخر وفق بيئة وعادات اخرى يكون قيدا, ومن هنا بدأت مشكلة اخرى.
ربما نحن كبشر لا نخاف من الوحدة بل ان هناك محركا اقوى ينطلق من نقطة ابعد, هناك فرق بين ان ينام الانسان وحيدا في غرفته وبين انه ينام وهو يدري ان حياته ووجوده ونومه ويقظته لا تمس حياة احد باي شكل من الاشكال, والعالم نفسه لا يتوقف عن اعطائنا اسباب تجعل فكرة الروابط الانسانية اكثر جدية مما تبدو عليه,فكلما ارتبط الانسان بعلاقات اجتماعية اقوى كان احتمال بقائه اعلى حسب دراسة هارفارد الشهيرة للنمو والتطور (Harvard Study of Adult Development) وهي أطول دراسة استمرت لأكثر من 80 عامًا وأثبتت أن الروابط الاجتماعية هي الفاعل الأول في طول العمر والصحة النفسية والجسدية، اذ ان تاثير العلاقات الاجتماعية يرتبط ارتباطا وثيقا بخطر الوفاة وطول العمر والخطر الصحي, فدراسة هارفارد للتطور البشري التي بدات 1938 وما تزال مستمرة تابعت حياة المشاركين لعقود طويلة ووجد البحث ان جودة العلاقات والرضا عنها في منتصف العمر يرتبطان بقوة بالصحة والسعادة في مراحل لاحقة من الحياة, حتى ان الرضا عن العلاقات في سن الخمسين كان من افضل المؤشرات على ذلك في الثمانين, لكن هذا بالطبع لن يعني ان الزواج هو ما ينقذ الانسان من الوحدة, فالدراسة تتحدث عن العلاقات مع العائلة والاصدقاء والمجتمع, وعن جودة الاتصال الانساني عموما . الزواج والحب لا يعنيان ان أننا نخاف الموت او نبحث عن علاج للوحدة وانه حتى ليس افضل طريقة للارتباط بالاخرين هذا الارتباط الوثيق, لكنه يدل على شيء اكثر بساطة وهو ان الانسان لا يعيش في فَراغ, العلاقات الاجتماعية ليست زينة او مكملا للحياة بعد ان ننتهي من اشيائنا المهمة, بل هي نفسها الجزء الاهم ولهذا ربما حين ناقشت شخصا اعرفهُ عن الزواج استخدمت مفردة الحبل، نحن نرتبط لاننا نحاول ان نكون جزءً من شيء, ان نكون في قصة الاخر وان نحمل قصة لا نكون فيها لوحدنا ابطالا, الحب نفسه يموت ليس لانه هش بل لان المعنى مختلف بين الجنسين والطبيعة الخلقية للعامة من الناس غير مدروسة فلا يدرك الزوجان المحبان انهما بعد سنين سيتغيرا لان العقل بطبيعته متغير, القناعات والافكار والسلوكيات, لم يعد هناك اثارة او رسائل طويلة او محادثات عميقة, لم يعد شعور وجود الاخر يحمل نفس المعنى والغاية والطريقة, هناك شخص يعرف من عمرك عقدا ولا يحتاج منك ان تشرح له من كنت او من تكون، وان هذا ايضا ليس موضع يقين، ففي بعض العلاقات ينقطع التواصل ولا تكون هذه السنين كلها الا فجوة تجعل من الاخر غريبا, قد يعيش شخصان عشرين سنة معا ويظل بينهما ذلك الفراغ العميق، قد نعرف الدور والعادات لكننا لا نعرف بالضرورة ما الذي تغير في الآخر، او ما الذي يخفيه او من اصبح هو عليه، قد تطول العشرة لنعرف الكثير وما يكفي، لكنه ليس بالضرورة دليلا على معرفة حقيقية عميقة,لكنك يجب ان تعرف ان لا شيء ثابت فتغير الحب ليس قانونا, الابحاث لا ترسم مسارا واحدا للعلاقات, هناك ازواج تنخفض جودة علاقتهم مع الوقت وهناك من يحافظ على مستوى مرتفع او مستقر بالرضا ولسنوات طويلة, اذا هل مات الحب؟ واي حب ذاك الذي مات؟ واي حب بقي؟
اعترف بانني بحثت عن تفسير الحب المنطفئ اكثر مما كنت اسال عن الحب الذي لا ينطفئ واعزو هذا النمط من التفكير الى طبيعة العلاقات الحديثة القائمة على السرعة والتبديل والتعويض وطبيعة المجتمع الاستهلاكي الحديث, قد لا يكون الحب الناجح هو الحب الذي يبقى كما بدا, بل الحب الذي يستطيع ان يتغير من دون ان يفقد معناه, تتحول الشرارة الى الفة, والالفة الى رفقة, والرفقة الى شعور عميق, بان هذا الشخص هو من اريد ان اعود اليه, لهذا كان السؤال الاجدى, ماذا لو لم تعد الرسائل الطويلة والشرارة الاولى هي الطريقة الوحيدة التي يظهر بها الحُب؟ وهنا نرى ان الزيجات التي تستمر لا تستمر لان احد الاطراف خائف من الرحيل, بل لان كليهما مازال يجد في الاخر شخصا يستمتع بوجوده, ويرى في هذه العلاقة معنى يدعوه للمحافظة عليها . اذا كان الإنسان متغيرا والحب هو تابع لهذا التغير، فما ذلك الذي يجعله يعد بالبقاء؟ قد يصبح اقرب شخص لنا هو ذلك الشخص الذي لم نعد نعرفه اصلا، وهنا يتجلى الفرق بين الاعتياد الصامت الذي يقتل والانس الوجودي الرحيم, الاعتياد يحول الشريك الى الضمان الدائم عند الاخر حد السهو عنه فيتجاوز العاطفة والجسد وتتسع الفجوة. الالفة بوجود الاخر تكون دافئة, والحضور الكامل يصبح دليلا على انك لست وحدك في هذا العالم وانك في دار الامان, فاذا كان الانسان متغيرا والعقل يطفئ الشغف والشرارة الاولى, ما ينقذ الزواج وقتها ليس المحاولات المستميتة لابقاء الشعور بل هو القدرة على تحويل عاطفة الحب العفوية الى قرار والتزام, الالتزام لا يعتمد على ثبات المشاعر بل على قرار واعي بالبقاء وبناء المعنى وتجديد الحضور حتى حين تصبح العاطفة معتادة, ان تختار ان تبقى حتى وان لم تكن تلك المشاعر بالصورة ذاتها التي بدات بها العلاقة، وربما لهذا كان الزواج اكبر من الحب، لانك لا تدخل علاقة وتقول فقط انا احبك، بل تقول انا ساشاركك الحياة واتحمل كل ما يأتي منها معك، اي انه حين يلتزم لا يَعد بشعوره فقط بل يعد بوجوده، الالتزام يجعل شخصين مستمرين رغم تغيرهما، وقد يكون في الوقت نفسه العامل الذي يجعل احدهما عاجزا عن الاعتراف بان شيئا ما انتهى، فمتى يكون البقاء وفاءً ومتى يكون خوفاً؟ ومتى يكون شكلا من اشكال الحب ومتى يصبح مجرد عادة اجتماعية نخاف كسرها؟ اذا نحن الآن في قلب المشكلة، هناك التزام بينما الرغبة والمشاعر تغيرت، وهنا تبدا الخيانة عند البعض ليس لان الحب مات بل لانه يريد ان يحتفظ بالحبل القديم ليدخل لحياته حبل عنكبوت، لا يلتزم به ولا ينوي الاحتفاظ به، ومع ذلك يبقى السؤال ما الذي ينقذ من الوحدة وما الذي يمنع من الرحيل؟ ربما السنوات تصنع المعرفة لكن هذا الإنسان الذي لا تستطيع سؤاله بعد مدة من انت؟ هو الشخص الذي كان يجب ان تعرفه، هل مات الحب فقط؟ هل بقي للإنسان الذي احببناه كما هو؟ وهل بقينا نحن كما كنا؟ لستُ ادري، لكننا نبحث في النهاية عن شيء اعمق من الحب والزواج، عن ان يكون وجودنا مهما لشخص ما، او ان نكون جزءً من حياة شخص، اننا نريد أن نشعر ان هناك شخصا مادمنا هنا يعرف اننا هنا، من حياة لا نعيش فيها وحدنا، وربما لهذا لا استطيع ان اقول ان الزواج الناجح هو الزواج الذي لم يتغير فيه الحب ولا ذلك الذي التزم فيه الطرفان على البقاء, بل هو ان يستطيع شخصان على التغير من دون ان يصبح هذا التجدد الداخلي الفطري خيانة للنسخة القديمة لاي منهما, وان يعيدا اكتشاف بعضهما عوضا عن الاكتفاء بالنسخة الاولى التي كان عليها كل منهما. وربما لهذا نتشبث بالحبل،لانه الوصلة الوحيدة التي تضمن قولا يرغب بسماعه الطرفان: انا اراك تتغير واعلم انك تتغير وانا مثلك, ومازلت اريد ان ابني معك, وحده الموت لا يتغير، وحده في النهاية يقطع كل شيء الّا الحُب، وربما لا يقطع الحب نفسه, بل يقطع القدرة على ان نعيشهُ معا, فهل نحب ان نجرب الحب؟ حتى يقول انسانا لانسان وعدهُ القديم: حتّى يفرقنا الموت!
