
مقال دقيقتان للقراءة
تأثير كعكة مادلين
كيف تعيدنا الحواس بالزمن
تعد رواية البحث عن الزمن المفقود للروائي الفرنسي مارسيل بروست واحدة من أطول وأهم الروايات في تاريخ الأدب العالمي إذ تتكون من سبعة اجزاء بقُرابة مليون وثلاث مئة الف كلمة، نُشر الجزء الأول منها عام ١٩١٣ حتى عام ١٩٢٧ اي بعد وفاة بروست بخمس سنوات وتركه لمسودته المكتملة حسب موقع Britannica.
في عام ١٩٠٩ مر بروست بتجربة حسية حين تذوق قطعة من كعكة المادلين-كعكة فرنسية- مغموسة في الشاي، هذه اللحظة بهذا الطعم ارسلته لا اراديا نحو طفولته، مما جعلها اللحظة الفارقة التي اودت به نحو العزلة بغرض التفرغ لكتابة هذه الرواية لأربعة اعوام متواصلة، ويذكر ان طفولته كانت مليئة بالمرض فلم يجد بعد وفاة والديه سبيل الّا العزلة، فعاش في غرفة محاطة بالفلين العازل للصوت، تروي احداث الرواية ذكرياته عن الطفولة السعيدة الدافئة.
على مدونة اواصر كتبت ليلى امحجور مقالا بعنوان "مادلين بروست" ذكرت فيه اهم ركيزة في هذه الرواية الا وهي تاثير كعكة مادلين:
"أصبحت “مادلين بروست” رمزا لكل ما يمكن أن يثير وينشط في ذهننا ذكرى من ذكريات الطفولة. والمدلين هذه قد تكون نوعا من أنواع المأكولات أو الحلويات وقد تكون رائحة أو أصواتا أو أنغاما أو غيرها، تبقى عالقة في أذهاننا وفي لا وعينا، لا تمحوها عوامل الزمن، ويثيرها ويقويها البعد عن الوطن.. “مادلين بروست” لا تعني فقط النوستلوجيا التي قد تسكن أحدنا في لحظات معينة، بل هي تسائل عوالمنا الداخلية وأسرار أنفاسنا الدفينة. ما هي العلاقة يا ترى بين حواسنا وعواطفنا ووعينا؟ كيف تصنع الذاكرة الفردية والجماعية؟ كيف يتكون الإحساس بالانتماء للأسرة والجماعة لدينا؟ أهي سطوة العاطفة أم هو صوت العقل فينا؟ وكيف يتفاعل هذان الاثنان ويتجاذبان في دهاليز أنفسنا وأرواحنا؟ وما هي المساحة التي يحتلها كل واحد منهما؟
قسم بروست الذاكرة إلى ارادية ولا ارادية قبل ان يتأسس علم النفس العصبي بعقود، فرأى ان الذاكرة الإرادية هي التي نستدعيها بعقولنا ومحاةماتنا الفكرية وتعطينا صورة استرجاعية عن الماضي فقد تفقد حرارتها الأولى لتذكر حقيقة، بينما الذاكرة اللاارادية فلا تُستدعى بقرار فكري بل تتفجر فجأة عبر الحواس كالشم والتذوق، وتأتي مفعمة بالمشاعر والحرارة وذكريات الماضي،وتعيد بث الشعور طازجا كما كان، اذ ان هذه الحواس مرتبطة بشكل مباشر بالجهاز الحوفي بالمخ.
لم يثبت لي الأدب انه ذكي، لم يثبت لنا الأدب انه اغنى العلوم إذ لا يعد بمفرده علما محضا، لكني ساصدق دوما كيف كانت مشاهد الروايات ترويني، وكيف لبيت من الشعر ان يواسيني, وكيف كانت تحليلات الادباء وتأملاتهم هي براعم او فروع لعلوم اخرى لا يدري الكاتب انها انبثقت فقط من وحي التجربة والشعور الصادق.
