
مقال دقيقتان للقراءة
صناع الميمز
مقال يتناول تأثيرات صناع المحتوى على ثقافة المجتمعات وكيف يؤثر عليها ببطء.
لا أخفي عليكم، أيها الرفاق، ذلك الانزعاج الخفيف الذي يساورني عندما أرى الإحصائيات المرتفعة في إحدى حساباتي الخاصة بالمحتوى الترفيهي، وسبب انزعاجي في الحقيقة هو ملاحظتي للتفاوت الكبير بين ما أكتبه هنا وأنشره هناك (فيديو واحد يجلب تفاعلات أكثر من جميع قصصي هنا)، وحتى لا يُساء فهمي أو أُتَّهَم بكوني باحثًا عن التفاعل، فأنا لا يضيرني شيء من هذا القبيل، ويكفيني ذلك القارئ الصامت المتأمل، بل إنني كثيرًا ما أدفن كلماتي في المذكرات وأحتكرها لنفسي، وأن ما أود الحديث عنه هو موضوع أعمق بكثير، يمكنه تغيير أيديولوجية مجتمع كامل؛ بل إنه يفعل تحت مرأى الجميع.
لا يخفى على أحد التأثيرات التي يُحدثها صناع المحتوى في السنوات الأخيرة، ولا نستطيع إنكار شبكات القنوات المدفوعة التي تستغلها بعض الجهات للترويج لأنفسهم وبناء قاعدة جماهيرية، أو للاستفادة منها كحملات تسقيط على المعادين، وإبقاء الشعوب في دائرة الجهل، وقد يكون هذا سخيفًا أو تافهًا، لكن أمثال هؤلاء لا يسببون استيائي، بل فيَّ جزءًا يقول: "على الأقل ينالون فائدة"، بغض النظر عن تخليهم عن المبادئ، أما أولئك المنقادون خلف فكرة كالقطيع، بأفكار لم تخضع للحظة تأمل، أولئك هم من يثيرون غيظي، فهم لا يدمرون أنفسهم فحسب، بل يفككون بنية المجتمع وثقافته على نار هادئة، ويهيئونه لأزمة أخلاق نحن في غنى عنها، من قبيل المروجين للمحتوى المنحط بغلاف كوميدي، بحجة الضحك، متخذينه وسيلة لنشر المفاهيم الجنسية، غافلين عن طبقات المجتمع المختلفة، متجاهلين أن أفضل وسيلة لإدخال أيديولوجية معينة هي عن طريق إلباسها ثوب السخرية، فعشرات الأمور التي كان يحرجنا الحديث فيها بين الأصحاب، باتت تحصد آلاف التفاعلات.
ومجتمع الأنمي خير مثال، وهو أمر مؤسف صراحةً، إذ ألبسوه الثوب نفسه، وصرنا نرى فئات ما رأينا مثلها في الغباء والدناءة، بعد أن كان الأنمي فنًا يضج بحوارات ذات عمق ومغزى، فما نراه اليوم في مجموعاتهم هو ترويج للمحتوى القذر والشذوذ، ولا أذكر متى كانت آخر مرة رأيت فيها حوارًا ونقاشًا في موضوع حقيقي.
وبين هذا وذاك، طُبّع المجتمع مع هذه المدخلات دون وضعها تحت مجهر الأخلاق والعادات الحسنة، وتغلغلت حتى أُدمنت، وباتت كالمخدرات، وربما أشد ضررًا، ودُفن صناع المحتوى الهادف دون رحمة، وقلة منهم ما زالوا يصارعون بصعوبة، بينما يحملون قيمًا من شأنها توعية المجتمع.
وأخشى الاعتراف بهذا، لكن المسؤولية... كل المسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا، إذ فرضنا أننا لسنا جزءًا من هذا العالم، وظللنا واقفين بعيدًا غير آبهين لما يحدث، بينما كان يجب أن نرفض ولو بكلمة، أو الالتفاف حول أولئك الجيدين ومساعدتهم على الوقوف في وجه تلك الموجة على أمل إيقافها أو الحد منها.
#مقالات
#مقال
يسعدني تواجدك في قناتي على تلجرام🌹:
