فقراء على قارعة الطريق
نحن الفقراء... لقد سحقتنا الحياة بأقدامها
نحن الفقراء... أولئك الذين لم تمنحهم الحياة فرصة عادلة، ولم تترك لهم من الطريق إلا أضيقَه، ولا من الأحلام إلا ما يستطيعون حمله في قلوبهم دون أن يروه واقعًا.
نحن الذين عرفنا قيمة الخبز قبل أن نعرف طعم الرفاهية، وعرفنا معنى الانتظار قبل أن نعرف معنى الوصول. كبرنا ونحن نحصي ما في جيوبنا قبل أن نمد أيدينا، ونحسب ثمن الأشياء قبل أن نفكر في امتلاكها.
لقد سحقتنا الحياة بأقدامها، لكنها لم تستطع أن تسحق أرواحنا.
مررنا بأيامٍ كان فيها الفقر أكثر من مجرد نقص في المال؛ كان خوفًا يسكن البيوت، وقلقًا ينام معنا، وسؤالًا يتكرر كل ليلة: ماذا سيكون الغد؟
كان الطفل الفقير يتعلم مبكرًا أن بعض الأمنيات ليست مستحيلة، لكنها فقط مؤجلة إلى أجلٍ لا يعرفه. ينظر إلى ما عند الآخرين، ثم يعود إلى بيته ويحاول أن يقنع قلبه بأن القليل يكفي.
نحن الفقراء لا نحزن لأننا لا نملك كل شيء، بل لأننا كثيرًا ما نملك القدرة على الوصول، ولا نملك الطريق.
كم من إنسانٍ فقير كان يحمل عقلًا عظيمًا، وحلمًا كبيرًا، ويدين قادرتين على العمل، لكن الظروف كانت أقوى منه. وكم من موهبة دفنتها الحاجة، وكم من حلم أطفأته لقمة العيش، وكم من إنسان اضطر أن يؤجل نفسه سنوات طويلة حتى يستطيع أن يعيش يومه.
ومع ذلك، هناك شيء لا يفهمه من لم يعرف الفقر:
أن الفقير قد يملك كرامة لا تُشترى، وقلبًا يعرف قيمة النعمة، ويدًا تمتد لمساعدة غيره رغم حاجته.
لقد علمتنا الحياة أن الإنسان لا يُقاس بما يملك في حسابه، ولا بالثوب الذي يرتديه، ولا بالبيت الذي يسكنه. الإنسان الحقيقي يُقاس بما بقي فيه من رحمة بعدما أتعبته الأيام.
نحن الفقراء... ربما لم تمنحنا الحياة مقاعدها الأمامية، وربما مررنا طويلًا في الصفوف الخلفية، لكننا كنا دائمًا نحمل شيئًا لا تستطيع الحياة أن تنتزعه منا: الأمل.
فالفقر ليس عيبًا، والحاجة ليست جريمة، وتأخر الإنسان عن غيره لا يعني أنه فشل. بعض الناس يصلون متأخرين، لأن الطريق الذي مشوا فيه كان مليئًا بالحجارة.
ولذلك، إن رأيت فقيرًا فلا تنظر إليه بعين الشفقة وحدها؛ انظر إليه بعين الإنسان. فقد يكون خلف صمته تاريخ طويل من الصبر، وخلف ملابسه البسيطة أحلام لم تجد بعد فرصتها، وخلف ابتسامته معارك لا يعرف عنها أحد شيئًا.
نحن الفقراء... سحقتنا الحياة بأقدامها، نعم، لكنها علمتنا كيف نقف.
أخذت منا أشياء كثيرة، لكنها منحتنا بصيرة لا تُشترى. جعلتنا نعرف قيمة اللقمة، وقيمة البيت، وقيمة اليد التي تمتد إلينا دون أن تجرح كرامتنا.
وما زلنا نمشي...
نمشي رغم التعب، رغم الخيبات، رغم السنوات التي أخذت من أعمارنا أكثر مما أعطتنا.
نمشي لأننا نؤمن أن الإنسان قد يولد فقيرًا، لكنه لا يجب أن يموت بلا حلم.
وربما يأتي يومٌ ننظر فيه إلى كل تلك السنوات القاسية، فنقول:
لقد ظننا يومًا أن الحياة كانت تسحقنا... ولم نكن نعلم أنها كانت تصنع منا أناسًا لا تكسرهم الحياة بسهولة.
10