
مقال دقيقتان للقراءة
🔹 الزيادة السكانية: نعمة أم نقمة؟ (1/2)
الزيادة السكانية نعمة ان نقمة ؟ في هذا الجزء نتحدث عن تراجع نسبة المواليد الجدد
ليس هناك جواب واحد يصلح لكل الدول حين نسأل: هل الزيادة السكانية نعمة أم نقمة؟ لأن القضية لا تتعلق فقط بكثرة الناس أو قلتهم، بل بقدرة المجتمع على تحويل عدد السكان إلى قوة منتجة، لا إلى عبء.
تقدم فرنسا اليوم مثالًا واضحًا على الوجه الآخر للأزمة السكانية. فالمشكلة هناك ليست انفجارًا ديموغرافيًا، بل تراجعًا في عدد الولادات، مقابل تزايد وزن الفئات الأكبر سنًا. ففي سنة 2025، سجلت فرنسا نحو 645 ألف ولادة مقابل 651 ألف وفاة، أي إن عدد الذين رحلوا كان أكبر من عدد الذين وُلدوا. وبفارق يقارب 6 آلاف شخص، دخل الرصيد الطبيعي للسكان المنطقة السالبة للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما بلغ معدل الخصوبة 1.56 طفلًا لكل امرأة، وهو من أدنى المستويات المسجلة منذ أكثر من قرن.
ومعنى ذلك أن الأجيال الجديدة لم تعد قادرة، من حيث العدد، على تعويض الأجيال المتقدمة في السن، وأن الشيخوخة أصبحت عاملًا يفرض ثقله تدريجيًا داخل المجتمع.
وتظهر آثار هذا التحول سريعًا في المدرسة، لأنها أول مؤسسة تشعر بانكماش الأجيال الجديدة. فالتوقعات الرسمية تشير إلى احتمال انخفاض عدد التلاميذ في فرنسا بنحو 1.7 مليون تلميذ خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما سيفرض إعادة النظر في الخريطة المدرسية، وعدد الأقسام، وتوزيع الموارد والمعلمين.
ولا يمكن فهم هذا التراجع بعيدًا عن عوامله العميقة: ارتفاع تكاليف السكن، وتأخر سن الإنجاب، وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة، وتزايد القلق من المستقبل. لذلك فالأزمة الديموغرافية الحديثة ليست نتيجة سبب واحد، بل حصيلة تحولات اقتصادية واجتماعية طويلة.
ومن هنا لا يعود انخفاض الإنجاب مجرد مسألة عائلية خاصة، بل يتحول إلى قضية تمس سوق العمل، وأنظمة التقاعد، والإنفاق الصحي والاجتماعي. فحين يقل عدد الداخلين الجدد إلى المجتمع المنتج، بينما ترتفع أعداد كبار السن، تبدأ الضغوط في التراكم داخل بنية الدولة نفسها.
أما الصين، فتقدم درسًا مختلفًا لا يقل دلالة. فقد أمضت عقودًا وهي تعتبر تقليص الإنجاب ضرورة وطنية، ثم وجدت نفسها لاحقًا مضطرة إلى تشجيع الإنجاب. وهكذا انتقلت من سياسة الطفل الواحد إلى السماح بطفلين ثم ثلاثة، وأطلقت برامج دعم للأسر في محاولة للحد من الشيخوخة السكانية وتراجع القوة العاملة.
لكن تغيير القوانين وتقديم الحوافز لم يكن كافيًا، لأن المجتمع حين يعتاد على الأسرة الصغيرة، وحين تصبح تربية الأطفال مكلفة ومرهقة، لا يعود بسهولة إلى معدلات الإنجاب المرتفعة.
والدرس الذي تقدمه فرنسا والصين واضح: المجتمعات لا تُهدَّد فقط عندما يكثر سكانها عشوائياً، بل قد تُهدَّد أيضًا عندما يقلّون أو يختل توازنهم العمري.
فالزيادة السكانية ليست نعمة دائمًا، ولا نقمة دائمًا، بل تصبح هذا أو ذاك بحسب قدرة الدولة والمجتمع على إدارة هذا التوازن.
يتبع
#خربشات
