مهندس مدني، متخصص في تصميم وتنفيذ المنشآت الخدمية.
مهتم بقضايا الشباب والتنمية ومكافحة الإفقار، ومتابع للشأن العام.
مترجم في أوقات الفراغ.
مستقل، لا أنتمي إلى أي حزب أو جماعة.
من أسوأ أنواع الإدارة، وأكثر بيئات العمل سُمّية، تلك التي يقودها أشخاص يرون في كل إصلاح تهديدًا لمناصبهم، وفي كل اقتراح تشكيكًا في كفاءتهم. وإذا جاء الاقتراح من موظف جديد، اعتبروه إعلان حرب عليهم.
تجنّب الانجرار إلى معركة تستنزفك معهم؛ فمن ينشغل بحماية موقعه أكثر من تحسين العمل قد يعاملك بوصفك خصمًا، مهما حسُنت نواياك.
إذا أردت أن تتأمّل بعض مخرجات التعليم في بلادنا، فتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي لبعض الوقت. صحيح أن هذه المنصات لا تمثّل المجتمع كله، ولا تصلح وحدها معيارًا لتقييم التعليم، لكن ما يتكرر فيها من أحكام متسرّعة وخطاب انفعالي يستحقّ القلق والتساؤل.
ستجد نقاشات تُختزل فيها القضايا المعقّدة في شعارات، وآراءً تُقدَّم بوصفها حقائق، واختلافات تتحوّل سريعًا إلى تجريح. ولا يمكن تحميل التعليم وحده مسؤولية ذلك، لكن من المشروع أن نسأل: إلى أيّ حدّ تمنح مدارسنا وجامعاتنا طلابها أدوات الفهم والتحليل والتمييز بين الادّعاء والدليل؟
عندما تختزل المنظومة التعليمية رسالتها في الحفظ واجتياز الامتحانات ومنح الشهادات، قد يتخرّج الإنسان وهو يجيد استعادة ما قرأ، لكنه يعجز عن مناقشته أو اختبار صحته. فالمشكلة ليست في نقص المعلومات وحده، بل في غياب الأدوات التي تساعد على فهمها ومراجعتها.
من هنا، يصبح إصلاح التعليم ضرورة تمسّ مستقبل المجتمع كله. وبناء مجتمع قادر على التفكير المستقل واتخاذ قرارات واعية يبدأ من مدرسة تؤهّل المعلّم، وتنمّي الفهم، وتمنح السؤال مكانته؛ مدرسة تُعلّم الطالب كيف يفكّر، وتربط ما يتعلّمه بما يعيشه.
#خربشات#مجتمع
رحل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في 14 مارس 2026، عن 96 عامًا، تاركًا إرثًا فكريًا كبيرًا وسؤالًا يصعب تجاوزه: كيف يدافع الفيلسوف عن كرامة الإنسان بوصفها مبدأً كونيًا، ثم يتعثّر في تطبيقه؟
كان هابرماس أبرز ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت. وفي مواجهة نقد هوركهايمر وأدورنو لتحوّل العقل إلى أداة للهيمنة، راهن على قدرته على بناء التفاهم. وجعل الحوار الحر وتبادل الحجج أساسًا لمشروعه في الأخلاق والديمقراطية، بحيث يشارك المعنيون في مناقشة القواعد التي تحكم حياتهم.
لكن هذا المشروع واجه امتحانًا مؤلمًا في غزة.
في نوفمبر 2023، وقّع هابرماس مع ثلاثة أكاديميين ألمان بيان “مبادئ التضامن”، مؤكدًا التضامن مع إسرائيل وحماية اليهود من معاداة السامية، في ضوء المسؤولية التاريخية الألمانية عن الجرائم النازية. أشار البيان إلى معاناة الفلسطينيين وضرورة تجنّب سقوط المدنيين، لكنه اعتبر الرد العسكري الإسرائيلي مبرّرًا من حيث المبدأ، ورفض إسناد نيات إبادة إلى أفعال إسرائيل.
لهذا، وجّه إليه منتقدوه سؤالًا من صميم فلسفته: أين المساواة في الكرامة حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟
المسؤولية عن الماضي تستدعي حساسيةً أكبر تجاه معاناة البشر جميعًا. وحماية اليهود من الكراهية واجب، مثلما أن حماية الفلسطينيين من القتل والتهجير واجب. لا تنتقص إحداهما من الأخرى، ولا تمنح ذاكرةُ جريمةٍ حصانةً من مساءلة جرائم الحاضر.
هنا تكمن أزمة الضمير: حين تصبح الذاكرة الوطنية أقدر على توجيه الحكم الأخلاقي من المبادئ التي يعلنها صاحبها. عندئذٍ يظل الإنسان حاضرًا في النظرية، بينما تتفاوت قيمة آلام البشر في الموقف السياسي.
لا يُختزل إرث هابرماس في بيان، لكن مكانته الفكرية تجعل مساءلته ضرورية. فالمفكر الذي يطالب الناس بإخضاع قناعاتهم للنقد، تظل مواقفه خاضعةً للمطلب نفسه.
رحل هابرماس، وبقي السؤال الذي يتجاوز شخصه: ما قيمة الدفاع عن كرامة الإنسان إذا ضعفت قدرتنا على رؤيتها لدى من يقفون خارج حدود ذاكرتنا وانتمائنا؟
حتى الفلاسفة لا تعفيهم كتبهم من امتحان المبادئ.
📷 صورة تجمع ثلاثة من أبرز رموز مدرسة فرانكفورت: ماكس هوركهايمر في المقدمة يسارًا، وثيودور أدورنو يمينًا، ويورغن هابرماس في الخلفية يمينًا، واضعًا يده على شعره. التقطها جيريمي ج. شابيرو في هايدلبرغ، في أبريل 1964.
#خربشات
حين رحل محمد الأمين، شعرتُ أن شيئًا من السودان الذي عرفته قد انطفأ معه. كان صوته جزءًا من أيامنا، نحفظ فيه وجوه الأصدقاء وملامح مدينة احتضنتنا، ونحن نظن أن الحياة ما زالت تمنحنا متسعًا للأحلام.
كلما سمعت “زاد الشجون”، عدتُ إلى الخرطوم، إلى جامعة بحري وكلية الهندسة؛ إلى المحاضرات والرسومات والضحكات الطويلة، ومعسكرات الصحافة، محطة سبعة، ومشاوير الكدرو. كنا نحمل دفاترنا وأحلامنا، ولا نعرف أن تلك التفاصيل العادية ستصبح يومًا من أثمن ما نملك.
“ماهو باين في العيون
وين حنهرب منو وين”
كانت الخرطوم، كما عشتُها، بيتًا واسعًا. فيها أصدقاء وألفة وموسيقى تتسلل من المقاهي والحافلات. وبين الدراسة ومشاغل الحياة، نشأت علاقتنا بالسودان؛ علاقة تجاوزت سنوات الجامعة، وصارت جزءًا من تكويننا.
ثم جاءت الحرب، فصار الحنين مشوبًا بالخوف على الناس والأماكن. بات اسم شارع أو صورة قديمة يستدعيان أسئلة موجعة: ماذا بقي هناك؟ وأين صار الأصدقاء؟ وهل ما زال البيت الذي عرفناه قائمًا؟
لهذا تؤلمني أغاني محمد الأمين وتؤنسني في الوقت نفسه. تعيد إليّ السودان الذي أحببته، وتمنحني لحظات ألتقي فيها بما باعدت بيننا وبينه السنوات والحرب.
لم يكن السودان مجرد بلد درستُ فيه. هناك عشنا عمرًا يستحق أن يُروى، وتركنا جزءًا منا بين الجامعة والأصدقاء وشوارع الخرطوم.
رحم الله محمد الأمين، وحفظ أهل السودان، وأعاد إلى بيوتهم الأمان؛ لعلنا نلتقي يومًا، ونسمع “زاد الشجون” معًا، دون أن يغلبنا وجع الغياب.
#خربشات
في نهاية شتاء عام 2016، أوقفني شابان قرب الجامعة في فرنسا. كانا يرتديان بدلتين سوداوين، ويتحدثان بأدب شديد. عرّفا بنفسيهما، وسألاني إن كنت أمانع التواصل معهما. وافقت، وأعطيتهما رقم هاتفي.
بعد عدة اتصالات، استقبلتهما . أوضحا أنهما مبشّران ينتميان إلى “كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة”، المعروفة بالمورمون. استمعت إلى حديثهما عن معتقداتهما وجوزيف سميث، ثم أهدياني نسخة من كتاب مورمون وانصرفا. لم أعد أردّ على مكالماتهما، وانقطع التواصل.
بعد أكثر من عام، وقد انتقلت إلى مدينة أخرى لمواصلة دراستي، اتصل بي شاب من الكنيسة نفسها. أخبرني بأنه حصل على رقمي من أحد المبشّرين اللذين زاراني، وذكر اسمه وموعد الزيارة. وحين علم بانتقالي، أحال رقمي إلى مبشّر في مدينتي الجديدة.
تكررت المكالمات والرسائل، حتى وافقت على زيارة أخرى. هذه المرة، بحثت عن تاريخ الكنيسة ومعتقداتها، ودوّنت بعض الأسئلة، ثم أعددت الشاي الأخضر والتمر، وانتظرت.
جاء الشاب برفقة زميل له. وبعد التعارف، دار بيننا نقاش أستعيد هنا مضمونه كما بقي في ذاكرتي.
سألتهما عن منع الرجال السود من أصول إفريقية من الترسيم في الكهنوت حتى عام 1978:
“لو التقيتكما قبل ذلك التاريخ، هل كنتما ستدعوانني إلى كنيسة لا تتيح لي ما تتيحه لكما؟”
أجاب أحدهما بأن الجميع متساوون أمام الله، لكنهما لا يعرفان تفسيرًا كاملًا لذلك المنع.
فسألتهما كيف أطمئن إلى سلطة دينية تطلب مني الثقة بتعاليمها، بينما يبقى قرار بهذه الأهمية في تاريخها بلا تفسير واضح.
انتقلنا إلى تعدد الزوجات الذي مارسه مؤسس الكنيسة وبعض أتباعه، ثم أنهت الكنيسة العمل به لاحقًا.
سألت: كيف يميّز شخص من خارجها بين أمر إلهي انتهى العمل به، واجتهاد بشري نُسب إلى الله؟
قال أحدهما إن الله قد يأمر بشيء في مرحلة، ثم ينهيه في أخرى. قلت إنني أفهم هذا التفسير، لكن سؤالي هو: كيف أتحقق من صحته؟
عاد الحديث إلى قراءة الكتاب والصلاة وطلب الهداية، فسألتهما:
“وإذا قرأت وصلّيت، ولم أقتنع؟”
أجاب أحدهما بأنني ربما أحتاج إلى مزيد من القراءة والصلاة. فقلت:
“لكن متى يصبح حكمي معتبرًا؟ هل حين أصل إلى النتيجة التي تؤمنان بها فقط؟”
لم أجد في إجاباتهما ما يحسم أسئلتي، لكن الحديث ظل هادئًا، وظلّا مهذبين.
وحين سألاني عن ديني، قلت إنني مسلم، وإن من يدعو الآخرين إلى مناقشة معتقداتهم ينبغي أن يكون مستعدًا لمناقشة معتقده أيضًا. فمن حقي أن أسألهما، كما من حقهما أن يسألاني، وما أعجز عن الإجابة عنه أحيلهما فيه إلى عالم دين.
دعوتهما إلى الإسلام، واقترحت أن أرافقهما إلى إمام المسجد لمواصلة الحوار. ثم تحدثنا قليلًا، واستأذنا في المغادرة.
لم يتصلا بعد ذلك. ولا أعرف إن كان السبب أسئلتي أو دعوتي إياهما إلى الإسلام، أم أن مهمتهما قادتهما إلى مكان آخر.
ما بقي في ذهني، إلى جانب النقاش، هو تنظيم عملهما: متابعة طويلة، وتواصل منتظم، واستمرار المهمة رغم تغيّر الأشخاص والمدن.
وحين أتأمل واقع الدعوة الإسلامية في بلادنا، أتساءل: ماذا لو وُجّه بعض الجهد المستنزَف في الخصومات والتجريح إلى تعليم الناس، والإجابة عن أسئلتهم، ومتابعة احتياجاتهم بصبر وحسن معاملة؟
في قرانا وضواحي مدننا، يحتاج كثيرون إلى معرفة تعينهم على فهم دينهم وشؤون حياتهم. وهذه مسؤولية تستحق منّا عناية أكبر من ملاحقة المخالفين وتبادل الاتهامات. فطلب العلم يفقد غايته حين ينفصل عن الأدب، وتضيق الدعوة حين تصبح حراسةً للانتماء الطائفي.
في مثابرة هذين الشابين وتنظيم عملهما ما يستحق التأمل، مهما اختلفنا مع معتقدهما. وحسن المعاملة يستحق التقدير، لكنه لا يُلزم بالاقتناع. أما حرية الدعوة فتكتمل بحرية السؤال، وبحق الإنسان في أن يقول بأدب ووضوح: “شكرًا، لم أقتنع”.
#خربشات
الصورة تعود إلى تلك الفترة.
في العمل، قد يعرف الجميع أن اجتماعًا أسبوعيًا لا يضيف شيئًا، لكنهم يواصلون حضوره. تُعرض المؤشرات نفسها، وتُكرر العبارات نفسها، ويخرج كل شخص ليُكمل عمله الحقيقي بعد انتهاء العرض. ومع ذلك، يظل الاجتماع دليلًا رسميًا على أن التنسيق يسير على ما يرام.
يساعدنا مفهوم «التطبيع الفائق» (Hypernormalization)، الذي استخدمه عالم الأنثروبولوجيا أليكسي يورتشاك في كتابه Everything Was Forever, Until It Was No More، على تأمل هذا الانفصال بين أداء الطقوس ومعناها.
درس يورتشاك الحياة في العقود الأخيرة من الاتحاد السوفيتي، حين استمر الناس في تكرار الخطاب الرسمي والمشاركة في طقوسه، من دون أن تكون علاقتهم به مجرد اقتناع كامل أو رفض كامل. كانت المشاركة تتيح لهم مواصلة حياتهم، فيما تتشكل خلف العبارات الجاهزة معانٍ واهتمامات وعلاقات لا يعكسها ظاهر الخطاب.
ويمكن استعارة هذه الفكرة لفهم بعض ممارساتنا اليومية.
نراها عندما تتحول التقارير إلى غاية مستقلة عن العمل: ينشغل الموظف بإثبات أنه أنجز، أكثر من انشغاله بما يحتاج فعلًا إلى الإنجاز. ويعرف المسؤول أن الأرقام لا تروي القصة كاملة، لكنه يطلب عرضًا أجمل بدل معالجة المشكلة.
ونراها في إدارة تفرض إجراءً فقد فائدته، فيلتزم به الموظف والمراجع، ويستهلكان وقتهما في استيفائه، لأن أحدًا لا يريد تحمل مسؤولية السؤال: لماذا نفعله أصلًا؟
وقد نجد صورة مشابهة في علاقات لم يعد فيها حوار حقيقي، بينما تُؤدَّى واجبات القرب أمام الآخرين. وعلى منصات التواصل، قد ينشغل الإنسان بحماية صورة النجاح التي صنعها، حتى تصبح المحافظة على الصورة عبئًا يضاف إلى صعوبات حياته.
ليست كل مجاملة أو عادة اجتماعية مثالًا على هذا المفهوم. المقصود هنا هو تحوّل المحافظة على الشكل إلى مطلب مستمر، حتى حين تتراجع فائدته أو تنفصل صورته عن التجربة الفعلية.
تكمن المشكلة في أن الاعتياد يُضعف قدرتنا على السؤال. يصبح الإجراء طبيعيًا لأنه متكرر، ويبدو الاعتراض عليه غريبًا لأنه يقطع انتظام المشهد. ومع الوقت، تُستهلك طاقة كان يمكن توجيهها إلى تحسين العمل أو إصلاح العلاقة في إبقاء مظهرهما مقبولًا.
قد نحتاج إلى الاجتماع، والتقرير، والمجاملة؛ لكننا نحتاج أيضًا إلى مراجعة ما تؤديه هذه الأشياء في حياتنا.
ويبدأ الإصلاح حين يصبح من الممكن أن نقول، من دون خوف أو حرج: هذا ما نفعله كل يوم… فهل ما زال يحقق الغرض منه؟
#خربشات#مجتمع
التيكتوك دولة قائمة بذاتها، لها قوانينها ونخبها وخزعبلاتها ومناضلوها، ولها شعبها العبيط والجاهل.
أحيانًا تشعر أنها تستحق الكي!
ما تفسده هذه الدولة في عقول الناس خلال ساعات، قد يحتاج إلى سنوات من التعليم والتوعية والإصلاح، حتى يمكن ترميم ما أفسدته من جديد.
حين يبقى نظام سياسي في الحكم لعقود، تكبر أجيال لم تعرف غيره، وتتداخل صورة الدولة مع صورة السلطة، حتى يصعب تخيّل مستقبل من دونه. وهكذا يتحول الاعتياد على بقائه إلى اعتقاد بأنه سيبقى دائمًا.
في كتابه “كان كل شيء أبديًا… إلى أن انتهى” (Everything Was Forever, Until It Was No More)، يتناول أليكسي يورتشاك مفارقة التجربة السوفيتية: انهيار بدا غير متوقع لكثيرين، ثم أصبح مفهومًا بعدما بدأ يحدث.
تدعونا هذه المفارقة إلى التمييز بين طول البقاء والقدرة على الاستمرار. فقد تحافظ السلطة على مظاهر استقرارها، بينما تتراجع الثقة وتتآكل قدرة المؤسسات على معالجة الأزمات. وقد يُفسَّر الصمت باعتباره رضا، فيما يعكس خوفًا أو إنهاكًا أو غيابًا للبدائل.
لا يعني ذلك أن كل نظام طويل العمر على وشك الانهيار، ولا أن سقوطه يضمن مستقبلًا أفضل. فمتانة النظام تُقاس بقدرته على تصحيح أخطائه، واستيعاب المطالب، وتجديد الثقة، لا بعدد سنواته في الحكم.
خطر وهم الأبدية أنه يدفع الحاكم إلى الاستغناء عن الإصلاح، والمواطن إلى اليأس من التغيير.
فالزمن الذي يمضي على السلطة لا يُصلح تلقائيًا ما يتراكم داخلها.
قد نقرأ عنوانًا فنحكم على مقال او كتاب لم نقرأه، أو نشاهد مقطعًا قصيرًا فنحاكم صاحبه، أو نسمع رقمًا عن مشروع فنقرر أنه دليل على الفساد أو الإنجاز، قبل أن نعرف تفاصيله. ثم ننشغل بالدفاع عن الحكم أكثر من انشغالنا بفحص الأساس الذي بنيناه عليه.
في كتابه “دماغك يخدعك” (Votre cerveau vous joue des tours)، يناقش ألبيرت مخيبر (Albert Moukheiber)، الدكتور في علوم الأعصاب المعرفية والأخصائي في علم النفس السريري، آليات تجعلنا نخطئ حتى حين نعتقد أننا نحكم بموضوعية. فالدماغ يستخدم التقريب والتفسير لبناء صورة متماسكة عن عالم معقّد، لكن تماسك الصورة في أذهاننا لا يضمن صحتها.
ويتناول الكتاب الانحيازات المعرفية، ومنها “انحياز التأكيد”: ميلنا إلى الاهتمام بالمعلومات التي تؤيد معتقداتنا، والتقليل من شأن ما يناقضها. وهكذا قد نبدأ بموقف مسبق، ثم نبحث له عن أدلة، بدل أن نترك للأدلة فرصة تشكيل موقفنا.
في نقاشاتنا اليومية، يسهل أن نلاحظ ذلك عند الآخرين: من نحب نلتمس له السياق والأعذار، ومن نختلف معه نعدّ زلّته كشفًا لحقيقته. وقد نطالب بدليل صارم حين لا يعجبنا الخبر، ثم نكتفي بعبارة “الأمر واضح” حين يوافق توقعاتنا. هنا يصبح السؤال الضروري: هل نستخدم المعيار نفسه مع الجميع؟
ويتناول مخيبر أيضًا “وهم المعرفة”، الذي يدعونا إلى التمييز بين شعورنا بأننا نفهم موضوعًا وبين قدرتنا على شرحه فعلًا. فقد نألف مصطلحًا لكثرة تداوله، ثم نتصور أننا نحيط بمعناه. لكن الألفة بالكلمات لا تكفي لفهم العلاقات والأسباب والنتائج. يكفي أحيانًا أن نحاول شرح فكرة بتفاصيلها حتى نكتشف حجم الأسئلة التي لم نطرحها.
ولنأخذ مثالًا: القول إن تكلفة مشروع مرتفعة يفتح سؤالًا مشروعًا، لكنه لا يجيب وحده عن أسباب الارتفاع. نحتاج إلى معرفة نطاق الأعمال، والمواصفات، وظروف التنفيذ، وأساس المقارنة. وبالمثل، فإن إعلان اكتمال مشروع لا يكفي للحكم على جودته أو جدواه. فالحكم الجاد يحتاج إلى معطيات تتجاوز الرقم والصورة والانطباع.
ولا تمنحنا معرفة أسماء الانحيازات حصانةً منها؛ فمن السهل أن نجعلها أوصافًا نلصقها بالمخالفين، بينما نعفي أنفسنا من المراجعة. لذلك يبدأ التفكير النقدي بسؤال شخصي: ما الذي قد أكون أغفلته؟ وما الدليل الذي لو ظهر سيدفعني إلى تغيير رأيي؟
لا يعني ذلك تعليق أحكامنا إلى الأبد، بل أن تتناسب درجة يقيننا مع قوة الأدلة المتاحة، وأن نستطيع قول: “هذا ما أرجّحه الآن”، أو “لا أعرف بعد”.
النقد حق، والمطالبة بالشفافية واجب، لكن بين الانطباع الشخصي والحكم الموضوعي مسافة اسمها: المعرفة والمعطيات. وتغيير الرأي بعد اتضاح الوقائع علامة على أننا ما زلنا نتعلّم.
#خربشات#لآلئ_اليوم
في كتابه «الخروج، والصوت، والولاء» (Exit, Voice, and Loyalty)، يدرس عالم الاقتصاد ألبرت هيرشمان ردود فعل الناس حين تتراجع مؤسسة أو شركة أو دولة، عارضاً ثلاثة مسارات: الخروج (المغادرة)، والصوت (الاعتراض ومحاولة الإصلاح)، والولاء (التمسك رغم الخلل).
وتظهر هذه المسارات في تفاصيل حياتنا؛ فالزبون الذي يلاحظ تراجع جودة متجره المفضل قد يتركه، أو يشتكي للإدارة، أو يواصل التعامل معه ثقةً بالتحسن. والموظف الذي يواجه خللاً قد يستقيل، أو يطرح حلاً، أو يصمت بدافع الانتماء. وحتى داخل الأسرة أو الحي، يكون الاعتراض غالباً محاولةً لإصلاح العلاقة لا قطعها.
حين تسوء الأحوال، يتوزع الناس بين راحل، ومطالب بالتغيير، ومترقب. لكن الولاء إذا تحول إلى صمت مطبق، فقد يطيل عمر الخلل؛ وإذا قوبل الامتعاض بالتجاهل، تحول إلى انسحاب نهائي تفقد معه المؤسسة فرصة الإصلاح.
فلا يعني الولاء تبرير الأخطاء، ولا يعني الاعتراض خيانة؛ بل كبيراً ما يكون النقد دليلاً على اهتمام صاحبه ورغبته في الإصلاح. أما حين تُغلق أبواب الإصغاء ويُقابل النقد بالعقاب، يتراجع هذا الاهتمام، ويصبح الرحيل الخيار الحتمي.
يبقى الولاء حيًّا ما وجد صوتاً مسموعاً وأفقاً للإصلاح؛ فإذا قُوبل بالصمت، ذبل تدريجيًا ليترك مكانه للغياب.
#خربشات