الوجوه التي كانت معنا
كأنها لقطة من فيلم قديم، صورة بالأسود والأبيض تهتز قليلًا في زاوية الذاكرة، ثم تستقر. صوت جرس المدرسة، لا يزال يرن في أذنيّ كأن الزمن لم يمضِ عليه. في تلك اللحظة التي أغمضت فيها عينيّ صباحاً، لم أكن أدري إن كنت أعيش الحاضر أم أسبح في أرشيف حياتي الذي لا يغلق أبوابه.
الحنين لا يحتاج إلى إذن للعودة، يكفي أن تمر نسمة خفيفة، أو عطر طباشير قديم، أو حتى وقع أقدام أطفال يلعبون، ليعود بك إلى ذلك الفناء الواسع، حيث كنا نركض في صفاء، دون أن ندري أن الحياة ستُعَلّمنا الركض لاحقاً دون أن نصل.
في تلك الساحة الرملية، وُلدت أولى ضحكاتنا الحقيقية، وهناك أيضًاً بكينا أولى خيباتنا، حين نسينا كلمات النشيد الوطني، أو حين أخطأنا في الجمع بين ثلاثة واثنين.
كنت أجلس تحت شجرة التين الكبيرة، أراقب الأرجوحة المهترئة تتأرجح بفعل الريح، كأنها تحرك الزمن نفسه. كانت تلك الأرجوحة هي ملاذنا في الفسحة، ننتظر دورنا بلهفة، نطير فوق الأرض لثوانٍ، نضحك، ثم نهبط، ننهض، نطير من جديد، كأننا نتعلم من الحياة منذ الصغر أنها صعود وهبوط، ضحك وخوف، جرأة وتردد.
الوجوه التي كانت معنا بعضها غاب، وبعضها ظل معنا ولكن ملامحه تغيرت...(...)

27 مشاهدة