« وُجوه فقدت أسماءَها »
لم تكن الريح تهب ذلك اليوم، ومع ذلك، شعرت أن شيئا ما يتداعى في داخلي. كنت أمشي على رصيفٍ عتيق، تنقط فوقه الظلال مثل ذكرياتٍ منسيةٍ خرجت من صندوق الخشب الذي خبأته أمي أعلى الصوان ، حيث كانت تخبئ صوري، وأحرفي، ورسائلي التي لم أرسلها. كل شيء كان يبدو ساكنا، لكنني كنت أسمع الأصوات من داخل القلب، من تلك الغرفة المعتمة التي لم أفتح نوافذها منذ أن ودعتهم.
لم أكن قد بلغت الثلاثين بعد، لكنني شعرت أن روحي شاخت قبل أن يُصيب الزمن شعري. كنت أجرّ خطواتي كما لو أن الأرض نفسها ترفض أن تحملني، وكأنها تعاتبني: لماذا عدت إلى الحي؟
كنت قد غادرتُ منذ عشر سنوات، وربما أكثر. غادرتُ وأنا أظنّ أنّ البُعد كفيل بأن يُطفئ الحريق. لكن الحقيقة أنّ الغياب لا يُطفئ شيئا، بل يعلّق الزمن في سقف القلب مثل مروحة لا تعمل، ويبقى الحريق يتأجّج بهدوء.
٭٭٭٭٭
رجعت إلى الحي الذي كنت أركض فيه صغيرا، أحمل محفظتي على ظهري كأنّها جناح طائر صغير لا يعرف بعدُ كيف يحلق. وجدتُ الدكان القديم، مغلقا واللافتة الخشبية التي كتبها أبي ذات صيف بمسمار صدئ(صطوف)، صارت بلا حروف. كأنّ الذاكرة نفسها بهتت، أو كأن الزمن قرر أن يمحو أثرنا قبل أن نحكي قصتنا.
جلست على العتبة التي كانت يوما تربّت على ظهري كلما عدت من المدرسة، وتذكّرت صوت أمي، وهي تناديني من النافذة الصغيرة:
جواد، ما تنساش تجيب الخبز من الفران.
لم أجب. كنت أكتفي بالركض، فأنا أعرف أن الحياة تُؤكل بسرعة، وأن الخبز لا ينتظرنا طويلا على رف الفرن.
مرّت امرأة بجانبي، رمقتني بنظرة خاطفة. ربما لم تتعرّف عليّ، أو لعلها عرفت ولم ترد أن تفتح نافذة الوجع.
فالحيّ كله صار مليئا بالوجوه التي فقدت أسماءها، وبالأسماء التي فقدت أصحابها. فكّرت في أن أصرخ: أنا جواد كنت ألعب معكم في الساحة، كنّا نرسم بالأحجار على الإسفلت ونكتب أسماءنا على الجدران!
لكنني لم أفعل. لأن الصرخة التي لا تجد من يسمعها، تتحوّل إلى صدى يعوي داخل الروح.
في الزقاق المجاور، كانت هناك شجرة تينٍ ما تزال واقفة. كأنها الوحيدة التي لم تتخلّ عن الذاكرة. مددت يدي، لم ألمسها. خفت أن تسقط الثمار إذا عرفَت أني عدت. خفتُ أن تبكي.
في الطفولة، كنّا نُسمّيها شجرة الجدّة، لأنها تنحني قليلا، كأنها تنصت لأحاديثنا. وكنا نقسم ثمارها بعدالةٍ لا يعرفها الكبار: واحدة لي، واحدة لمحمد، وواحدة لرجاء.
كنت أكتب لها رسائل لم تصِل، وأرسم لها قلوبا على طرف الدفتر، وكنت أظن أن الحبّ يكفي كي نحيا. لكن الحبّ وحده لا يصنع الحياة، بل يصنع الانتظار. وحين لا يأتي المنتَظر، يصير الحبّ ندبة.
٭٭٭٭٭
في المساء، جلست في المقهى العربي، ذاك الذي كنّا نلعب في فريقه الكروي ،والذي يجمع ألمع نجوم كرة القدم الطفولية آنذاك . النادل لم يتعرّف عليّ. طلبت قهوة سوداء. وحين وضعها أمامي، سألته:
– وش مازال السيد مصطفى يجي هنا؟
نظر إليّ بدهشة:
– السي مصطفى مات من عامين.
ثم أضاف بعد لحظة صمت:
– كنتَ تعرفه؟
هززت رأسي.
– كان والدي.
٭٭٭٭٭
#أدب ، #مجتمع

20







