
مقال 3 دقائق للقراءة
🔹 الزيادة السكانية: نعمة أم نقمة؟ (2/2)
الزيادة العشوائية
في الجزء الأول قلنا إن المشكلة السكانية لا تكون دائمًا في كثرة الناس. أحيانًا تكون في قلّتهم، أو في شيخوخة المجتمع، أو في اختلال التوازن بين الأجيال. فالدول لا تخاف من العدد في ذاته، بل من سوء إدارة هذا العدد.
لذلك، حين نتحدث عن الزيادة السكانية في تشاد أو غيرها من دول المنطقة، لا ينبغي أن نبدأ بالسؤال السهل: لماذا ينجب الناس كثيرًا؟
السؤال الأهم هو: ماذا فعلت الدولة بهؤلاء الذين وُلدوا؟
هنا تبدأ مشكلة الزيادة العشوائية. وهي لا تعني أن ولادة الأطفال مشكلة، بل تعني أن عدد السكان يكبر أسرع من قدرة الدولة على التخطيط.
في تشاد، تشير التقديرات الوطنية إلى أن عدد السكان يدور حول 18 مليون نسمة. وخلال السنوات العشر الأخيرة التي تتوفر لها بيانات كاملة، أي من 2015 إلى 2024، شهدت البلاد نحو 7 ملايين مولود جديد تقريبًا. وفي السودان، خلال الفترة نفسها، وُلد ما يقارب 15.8 مليون طفل. ورغم اختلاف السياقات، فإن الاتجاه العام واحد: مجتمعات تكبر بسرعة، بينما التنمية لا تتحرك بالسرعة نفسها.
هذه الزيادة كان يمكن أن تكون نعمة لو صاحبتها نهضة في التعليم، والصحة، والزراعة، والتكوين المهني، والبنية التحتية. فالطفل الذي يولد اليوم سيحتاج غدًا إلى مدرسة، ومركز صحي، وماء، وطريق، ومهارة، وعمل. وإذا لم تستعد الدولة لذلك، فإنها لا تستقبل جيلًا جديدًا، بل تؤجل أزمة جديدة.
وتظهر الخطورة أكثر في القرى والمناطق الهشّة، حيث المدارس ضعيفة، والخدمات قليلة، وفرص العمل شبه غائبة. فالطفل الذي يبدأ حياته بعيدًا عن المدرسة الجيدة والطريق والمركز الصحي، ومن وسط اجتماعي مهمش ،لا يبدأ من النقطة نفسها التي يبدأ منها طفل في مدينة مخططة. منذ البداية تكون المسافة غير عادلة.
وبعد سنوات، يتحول ذلك الطفل إلى شاب يبحث عن دخل وكرامة ومكان في الحياة. فإذا لم يجد تعليمًا جيدًا، ولا مهارة حقيقية، ولا فرصة عمل، يصبح قابلًا للدفع في أي اتجاه: الهجرة إلى المدينة، أو الهجرة إلى الخارج، أو التنقيب العشوائي عن الذهب، أو اقتصاد السلاح والعمل المسلح.
الفقر وحده لا يصنع الحرب، والزيادة السكانية وحدها لا تصنع التمرد. لكن حين يلتقي الفقر مع الجهل، والبطالة مع الإحباط، والتهميش مع انتشار السلاح، يصبح الشباب مادة سهلة للاستغلال. وحين لا يرى الشاب في الدولة أفقًا، يأتي تجار الحرب ليعرضوا عليه بابًا آخر: بندقية، مرتب بسيط، وشعور زائف بالقوة.
وفي تشاد، تكشف مناطق التنقيب العشوائي عن الذهب هذا الخلل بوضوح. فهي لا تجذب الناس لأنها آمنة أو منظمة، بل لأنها تبدو كآخر فرصة لمن لا فرصة له. وحين يتدفق الناس إلى مناطق هشّة، بلا قانون واضح ولا إدارة عادلة للموارد، يتحول الذهب من ثروة وطنية محتملة إلى مصدر توتر واستغلال وموت.
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن البيئة. ففي منطقة الساحل، تحدث الزيادة السكانية فوق أرض تتغير بسرعة: جفاف، زحف صحراوي، تراجع في المراعي، وندرة في المياه. ومع غياب الدولة وانتشار السلاح، قد يتحول خلاف بسيط حول بئر أو مرعى أو حقل إلى دم.
أما السودان، فهو المثال المؤلم لما يحدث حين ينهار التوازن بين السكان والدولة. جيل كامل وجد نفسه وسط حرب، ونزوح، وجوع، ومدارس مكسورة، وحياة بلا أمان. فكيف نطلب من شاب نشأ وسط هذا الخراب أن يدخل الحياة طبيعيًا، وهو لم يحصل أصلًا على تعليم طبيعي؟
لهذا، فالحديث عن الزيادة السكانية ليس حديثًا عن عدد الأطفال فقط. نحن أمام تداخل خطير بين الديموغرافيا، والفقر، والتعليم، والمناخ، والسلاح، وضعف الدولة. وإذا لم يُدار هذا التداخل بوعي، فإن الأطفال الذين يولدون اليوم قد يصبحون بعد سنوات جيلًا غاضبًا يبحث عن أي طريق للخلاص.
الزيادة السكانية ليست لعنة. الإنسان لا يصبح عبئًا لأنه وُلد، بل يصبح عبئًا حين تتركه الدولة بلا تعليم، وبلا صحة، وبلا مهارة، وبلا أفق. ويصبح خطرًا حين يرى أن البندقية تمنحه ما عجزت المدرسة والدولة عن منحه.
لذلك فالمشكلة ليست في بطون الأمهات، بل في عقول صُنّاع القرار. فحين تكبر الشعوب بلا تنمية، لا نصنع مستقبلًا. نصنع قنابل اجتماعية مؤجلة.
#خربشات
