
مقال 10 دقائق للقراءة
وصايا الخوف... قبل طلب الحرية
لاتطلب الحرية حتى تتخلص من الخوف
وصايا الخوف... قبل طلب الحرية ــــــــ مقتطف.... لمن يقرأ بعقل ويتأنى بروح في تلك الليلة تأخرت في الخروج. كان المطر يطرق زجاج النافذة بإيقاع منتظم والمدينة في الأسفل تبدو كأنها أغلقت عينيها وتركت الشوارع تتدبر عتمتها وحدها. على مكتبي مصباح صغير وثلاثة كتب مفتوحة ودفتر أسود لم أكتب فيه منذ أشهر. كنت أظن أنني أبحث عن تفسير. ثم اكتشفت أنني كنت أبحث عن أول كذبة صدقناها جميعا. أخرجت ملفا قديما من الخزانة. أوراق صفراء وقصاصات صحف وشهادات لأشخاص مروا من أماكن كثيرة وتركوا وراءهم جملا قصيرة تشبه المسامير التي لا ترى إلا بعد أن يلتئم الجلد. في الصفحة الأولى كتبت منذ سنوات: «كل مجتمع يخاف من السؤال يصنع لنفسه أجوبة جاهزة.» توقفت عند العبارة طويلا. كان فيها شيء من الحقيقة وشيء من الغرور أيضا. مزقتها. فالحقيقة التي تبحث عنها طويلا قد تتحول هي الأخرى إلى صنم خصوصا حين يبدأ صاحبها بالنظر إليها كملكية خاصة. تذكرت سقراط ذلك الرجل الذي جعل السؤال طريقا وجعل الاعتراف بجهل الإنسان بداية لمعرفة أكثر تواضعا. ربما كان أخطر ما يصيب العقل حين يظن أنه وصل. منذ تلك اللحظة صرت أخاف من الإجابات المغلقة أكثر مما أخاف من الأسئلة المفتوحة. تذكرت أستاذا قديما كان يدخل القسم حاملا كتابه تحت ذراعه. كان يكتب على السبورة ثم يمسح ما كتب قبل أن ننتهي من نسخه. سألته مرة: — لماذا تمسح الجملة قبل أن نحفظها؟ نظر إلي لحظة وقال: — حتى لا تعتقد أن ما كتبته لك هو نهاية الطريق. لم أفهم يومها. فهمت بعد أعوام. كان يعلمني دون أن أعرف شيئا قريبا من روح كانط. أن العقل الذي يكتفي بما يعطى له يظل تحت وصاية الآخرين وأن النضج يبدأ حين يجرؤ الإنسان على استعمال عقله بنفسه. التعليم الذي يعلمك الإجابة وحدها يصنع ذاكرة. أما التعليم الذي يوقظ السؤال فيصنع إنسانا. ومنذ ذلك اليوم صرت أراقب المدارس أكثر مما أراقب القصور. القصور تخبرك من يحكم اليوم. المدارس تخبرك من سيحكم غدا. هناك في مقاعد صغيرة تبدأ الأشياء الكبرى. طفل يتعلم أن الخطأ عار فيكبر وهو يخشى التجربة. طفل يتعلم أن المختلف خطر فيكبر وهو يبحث عن عدو. طفل يسمع الحكاية ذاتها من أفواه الكبار حتى تصبح الحكاية عنده أقدم من الحقيقة. وهكذا تدخل الأفكار إلى الإنسان من الباب الذي يدخل منه الطعام. ببطء. دون ضجيج. حتى يأتي يوم يصبح فيه الدفاع عن الفكرة دفاعا عن الذات. وهنا تذكرت أفلاطون. الكهف الذي تصوره لم يعد بالنسبة إلي مكانا تحت الأرض. صار طريقة في النظر. ظلال تمر أمام أعين الناس وتتكرر حتى تكتسب قداسة الحقيقة ثم يأتي من يقول إن العالم خارج الجدار أوسع مما اعتدناه فيبدو صوته غريبا وربما مخيفا. الفكرة التي تكررت طويلا تستطيع أن تتحول إلى جدار. والجدار حين يسكن داخل الرأس يصبح الخروج منه أصعب من فتح باب. ربما لهذا تنجح الأساطير أكثر من الحقائق. الأسطورة تمنح الإنسان أبا وعدوا وبطلا ونهاية سعيدة. الحقيقة تمنحه مرآة. والمرايا كما تعلمت أشياء ثقيلة على المجتمعات التي اعتادت النظر من النوافذ فقط. أغلقت الملف. فتحت التلفاز. كانت مدينة بعيدة تظهر على الشاشة. دخان ومبان صامتة ووجوه تحمل أكياسا قليلة وأطفال يمشون بين ما تبقى من يومهم. خفضت الصوت. لم أعد أحتمل اللغة التي تختصر البشر في أرقام والمدن في خرائط والمآسي في عناوين عاجلة. تلك المدن لم تولد فجأة داخل الخراب. الخراب له طفولة أيضا. له سنوات يتعلم فيها الناس الشك ويعتادون الطوابير ويكتشفون أن النجاة الفردية قد تبدو أسهل من إنقاذ الجماعة وأن الصمت يوفر عليك وجعا صغيرا اليوم ثم يطالبك بثمن أكبر غدا. وفي كل مرة كنت أعود إلى السؤال ذاته: كيف يتحول الخوف من شعور إلى نظام حياة؟ كان هوبز حاضرا في مكان ما من ذاكرتي. الإنسان الخائف يبحث عن قوة تمنحه الأمان والمجتمع حين يشعر أن الفوضى تقترب قد يقايض جزءا من حريته بوعد الاستقرار. الفكرة تبدو بسيطة على الورق. غير أن التاريخ يضع أمامها سؤالا أكثر قسوة: ماذا يحدث حين تصبح الجهة التي وعدتك بالأمان مصدر الخوف نفسه؟ هنا يدخل مكيافيللي من باب آخر. القوة تعرف أن الخوف لغة سريعة الفهم وأن الإنسان قد يطيع أحيانا قبل أن يقتنع. وحين تصبح الطاعة عادة تستطيع السلطة أن تنتقل من مراقبة الجسد إلى مراقبة السلوك ثم إلى شيء أعمق. أن يتولى الإنسان مراقبة نفسه بنفسه. حين يحسب كلماته قبل أن ينطق بها وخطواته قبل أن يمشيها وأصدقاءه قبل أن يثق بهم يصبح الخوف أكثر من شعور. يصير نظاما داخليا. بعد سنوات من ذلك يصبح القيد غير مرئي. لا يحتاج إلى باب. يحتاج إلى عادة. كنت أقرأ ذات مرة عن السجون القديمة فاستوقفتني فكرة ظلت عالقة في رأسي. أقسى السجون تلك التي يتولى السجين حراستها بنفسه. أعدت قراءة السطر. ثم كتبت في دفتري: «حين يتعلم الإنسان مراقبة نفسه نيابة عن الخوف يصبح الخوف بلا حارس.» كانت تلك الجملة أقرب إلى مفتاح. وفي الهامش وجدت الكواكبي. كان يرى الاستبداد في أثره على العقل والوعي قبل أثره على الجسد. شعرت أنني أمام تشريح دقيق لشيء أعرفه جيدا. السلطة تستطيع أن تغادر المكان بينما تبقى طريقتها في التفكير جالسة في الرأس. وفي المجتمعات التي أنهكت طويلا قد يسقط صاحب السلطة وتبقى آثاره في طريقة الكلام وفي طريقة التفكير وفي طريقة تربية الأطفال وفي خوف الناس من بعضهم وفي انتظارهم الدائم لشخص يأتي من الخارج أو من الأعلى ليقول لهم ماذا يفعلون. وهنا ظهر روسو في ذاكرتي. كانت فكرته عن العقد الاجتماعي تفتح سؤالا آخر. ما قيمة الجماعة حين يتحول الفرد داخلها إلى مجرد تابع؟ وما الذي يبقى من الدولة حين تنفصل السلطة عن الغاية التي منحتها الجماعة شرعيتها؟ أغلقت الكتاب. فبعض الأسئلة حين تدخل الرأس لا تعود تعرف طريق العودة. أسطورة المنقذ أخطر أحيانا من المستبد نفسه. المستبد يطلب الطاعة. أما أسطورة المنقذ فتجعل الناس يطلبونها. تذكرت رجلا قال لي ذات مساء: — نحتاج رجل قوي يخرجنا من كل هذا. سألته: — ومن يحميك من الرجل القوي حين يصبح قويا عليك؟ ضحك. حسبها نكتة. وأنا أيضا ضحكت. ثم عدت إلى بيتي وأنا أشعر أن بعض الأسئلة تبدأ ضحكة وتنتهي وطنا. في الخارج كانت المدينة قد هدأت. المحلات أغلقت أبوابها والمقاهي خف ضجيجها والشارع بدا كأنه استلقى قليلا بعد يوم طويل. جلست قرب النافذة. فكرت في تلك البلاد التي تحولت فيها الخلافات إلى متاريس والاختلافات إلى هويات مغلقة والناس إلى وقود لمعارك أكبر من قدرتهم على فهمها. كان ابن خلدون حاضرا في الخلفية. فكرته عن العصبية والعمران بدت لي أقرب إلى نبض جسد أراقبه تحت المشرط. الجماعة تمنح المجتمع قوته حين تحمل أفرادها نحو غاية مشتركة ثم تبدأ دورة الضعف حين تتآكل الروابط ويصبح الخاص أثقل من العام والغنيمة أهم من العمران. وهناك كان أرسطو يطل من بعيد بفكرة أخرى. الإنسان كائن مدني ووجوده يكتمل داخل الجماعة والسياسة في أصلها مرتبطة بتنظيم الحياة المشتركة والسعي إلى الخير العام. تأملت العبارة طويلا. كم يحتاج المجتمع كي يتحول من جماعة تعيش معا إلى أفراد يعيش كل واحد منهم بجوار الآخر؟ ربما تبدأ المسافة حين يفقد الناس الثقة. وحين تصبح الثقة سلعة نادرة يصبح الخوف أكثر خصوبة. وحين يصبح الأمان أغلى من الحرية يبدأ الإنسان في بيع أجزاء من نفسه دون أن يشعر قطعة من صوته. قطعة من ذاكرته. قطعة من سؤاله. ثم يأتي يوم يفتح فيه يده فلا يجد فيها سوى بطاقة طابور ورغيف ووعد مؤجل. عندها يصبح الوطن مساحة للنجاة فقط. وهذه إحدى أكثر اللحظات قسوة في عمر الشعوب. أن يتحول الحلم الكبير إلى قائمة احتياجات صغيرة. خبز. وقود. سكن. راتب. ورقة تثبت أنك ما زلت موجودا. أما السؤال عن معنى وجودك فيؤجل إلى إشعار آخر. تذكرت سبينوزا. كان يرى أن الحرية مرتبطة بفهم الأسباب التي تحرك الإنسان وأن الانفعال حين يبقى مجهول المصدر يستطيع أن يقود صاحبه من حيث لا يشعر. ربما لهذا تبدأ الحرية من معرفة الخوف. أن تعرف لماذا تخاف. ومن أين جاء خوفك. ومن أقنعك أن الخوف قدر. فالإنسان الذي يفهم دوافعه يصبح أقل قابلية لأن يقاد بها ثم جاء سينيكا في ذاكرتي بفكرته عن السيادة الداخلية. ذلك المجال الصغير الذي يستطيع الإنسان أن يحتفظ فيه بملكه وسط عالم لا يملك السيطرة عليه. أدركت أن هناك فرقا بين أن تغلق عليك الأبواب وأن تحمل بابا مغلقا في داخلك. الأول سجن. والثاني عادة قد تعيش أطول من السجن. أطفأت التلفاز. بقيت المدينة خلف الزجاج. وفي لحظة غريبة شعرت أنني أمام جسد ضخم على طاولة التشريح. لم يكن الجسد دولة. كان عقلا. عقلا يحمل ندوب أجيال كاملة. ندبة هنا من خوف قديم وأخرى من كذبة موروثة وثالثة من خيبة جعلت الناس يعتقدون أن القوة وحدها قادرة على حمايتهم ورابعة من تاريخ جرى حفظه بطريقة جعلت الماضي قفصا بدل أن يكون درسا. مددت يدي نحو المشرط. ثم توقفت. الجراح الحقيقية تبدأ بمعرفة موضع الألم. وتذكرت نيتشه. لم تكن فكرته بالنسبة إلي دعوة إلى القوة كما تختصر أحيانا وإنما مواجهة مع الإنسان حين يصنع أصنامه الخاصة ثم ينحني لها. عندها أدركت أن سقوط صنم واحد لا يضمن شيئا. فالعقل الذي اعتاد صناعة الأصنام يستطيع أن يرفع فوقه صنما آخر ويمنحه اسما جديدا ويمنحه القداسة ذاتها. وهنا كان الخطر أعمق من المستبد. إنه الاستعداد النفسي لصناعة المستبد. إنه الحنين إلى اليد التي تقرر بدلا منا. إنه التعب من الحرية حين تصبح مسؤولية. فتحت الدفتر مرة أخرى. كتبت: «قد يسقط السجان ويبقى داخلي شيء يتوق إلى السجن.» تأملت الجملة. ثم أضفت تحتها:
«فالحرية عبء أيضا. إنها تمنح الإنسان حق الاختيار وتضع أمامه مسؤولية ما اختار.»
وفي مكان آخر من الذاكرة كان كامو يمر بصمته الثقيل. العالم قد يبدو عبثيا حين يبحث الإنسان عن معنى واضح وسط الألم غير أن مواجهة العبث عنده لم تكن استسلاما. كانت نوعا من اليقظة. أن يرى الإنسان هشاشة العالم ثم يقرر أن يعيش بوعي وأن يصنع لمعنى وجوده مساحة من الفعل بدل انتظار معنى جاهز يهبط عليه من السماء أو السلطة أو الجماعة. أغلقت عيني.
فهمت أن المشكلة ربما تبدأ من ذلك الانتظار. انتظار المنقذ. انتظار القائد. انتظار المؤسسة. انتظار التاريخ كي يصحح نفسه. انتظار الآخرين كي يمنحونا الشجاعة التي عجزنا عن بنائها داخلنا. وربما لهذا كانت أولى عمليات الخروج أصغر مما نتخيل. أن يتعلم الإنسان أن السؤال ليس خيانة. أن الاختلاف مساحة للتفكير. أن الإيمان لا يحتاج إلى خوف كي يعيش في الضمير. أن الدولة ليست أبا يحتاج المواطن إلى استرضائه. أن التاريخ كتاب مفتوح على احتمالات كثيرة وليس قبرا يجب أن ننام داخله. وأن الإنسان قبل أن يطلب من العالم أن يمنحه حريته يحتاج إلى اكتشاف مقدار الحرية التي تنازل عنها داخله.
كانت الساعة قد تجاوزت الثانية صباحا. أغلقت الدفتر.
وقبل أن أطفئ المصباح كتبت سطرا واحدا: «ربما لا تحتاج الشعوب إلى من ينقذها بقدر حاجتها إلى أن تتوقف عن تسليم مصيرها لمن يعدها بالخلاص.» ثم نظرت إلى الجملة. هذه المرة لم أمزقها. تركتها على الطاولة. فبعض الأفكار لا تحتاج إلى أن تكون خاتمة. يكفي أن تكون بابا. وفي آخر الممر قبل أن أغادر سمعت صوتا خافتا يأتي من إحدى الغرف. صوت طفل يقرأ. كان يتهجى الكلمات ببطء ويتعثر ثم يعيد المحاولة. توقفت. بقيت أستمع. في ذلك الصوت الصغير اجتمعت أشياء كثيرة قرأتها تلك الليلة. سؤال سقراط وجرأة كانط على استعمال العقل وخروج أفلاطون من الكهف وحرية سبينوزا وصلابة سينيكا وقلق نيتشه ومواجهة كامو للعبث وكل تلك الأسئلة التي جعلتني أفتح هذا الملف في منتصف الليل.
ابتسمت. ثم أدركت أن المستقبل لا يكتب دائما في القصور ولا يولد بالضرورة من الخطب الكبيرة. أحيانا يبدأ من يد صغيرة تمسك قلما ومن عقل يتعلم أن الصفحة مساحة للسؤال وأن الإجابة مهما بدت مكتملة تظل طريقا إلى سؤال آخر. واصل الطفل القراءة. وأنا أغلقت الباب خلفي. وفي الممر الطويل كان سؤال واحد يمشي معي: «لماذا؟»
هشام بلعروي (الجزائري) ترانيم الحروف 4890
