في مديح الفكرة.. لا المرأة
لستُ أنسى، ليس لأنّ ذاكرتي مريضةٌ بالوفاء، بل لأنّ النسيانَ ضلَّ طريقهُ إليّ.. فكيف ينسى المرءُ وطناً صار قصيدة؟ وكيف ينسى الغريبُ رصيفاً علّمَهُ أولَ مَشيٍ نحو المجهول؟
لقد استقالت هي من جسدها، وهاجرت من ملامحها، لتستقرّ فيّ "فكرةً". والفكرةُ، يا صديقي، لا تشيخُ، لا تمرضُ، ولا تموتُ تحت ركامِ الغياب.
أمرُّ من أمامِ بيتها، فلا يرتجفُ ظلّي، ولا تتعثّرُ خُطاي في ذكرياتِ الرخام. الوجودُ الحسّيُّ لم يعد يخصّني، والواقعُ سَقَطَ من حساباتِ الحنين. أنا الآن في حضرةِ
لا أريدُ رؤيتها.. فالعينُ قاصرةٌ عن رؤيةِ المطلق، لا أشتهي الحديثَ معها.. فالكلامُ يُفسدُ بهاءَ التجريد، لا أسألُ عن أخبارها.. فالأساطيرُ لا تُقرأُ في جريدةِ الصباح.
لقد تحولتْ من امرأةٍ تُمشّطُ شعرها أمام المرآة، إلى "فكرةٍ" تمشّطُ روحي أمام الأبد. حضورها في خاطري الآن لا يُمسّ، لا يُدنّسُه الواقع، ولا يطالهُ غبارُ البشر.
أنا لا أحبُّها هي.. أنا أحبُّ حضورها الذي لا يغيب، وأُقدّسُ غيابها الذي لا يحضر!
9 مشاهدة