من جهة الظل..
الصيف ينقص من أطرافه..هذا الصباح كانت الشمس أخف وطأة..انسابت على حافة النافذة بلون قشة نفض الحصاد جوفها.. ومضت فوق البلاط بلا لسع.. كأن النار التي أقامت فيه شهورا بدأت تجمع أذيالها على مهل.
في الشجرة خبر صغير..ورقة شحب نصفها.. وظل استطال مقدار كف.. وهواء تسلل بين الغصون فأحدث فيها حفيفا واهنا.. كأن شيئا يتهيأ للرحيل ولا يريد إيقاظ الدار.
حتى الحجارة بردت من جهة الظل.
الصيف يمشي..يسحب قيظه من الجدران.. ملحه من الجباه.. وناره من مقابض الأبواب.. ويترك في مسام الصباح خيطا باردا لا تلتقطه الأصابع من أول لمسة.
وللراحلين حيلة الصيف ذاتها..لا يأخذون أنفسهم كاملة حين يمضون.
يتركون منها ما يكفي لكي تتعلم الأشياء هيئة النقص.
قميص احتفظ عند الكتف بانحناءة صاحبه.. مفتاح أكل الصدأ أسنانه وما زال يحفظ هيئة القفل.. كرسي لان خشبه تحت جسد طال مقامه.. ثم ظل وحده يحرس هيئة الجلوس.
غريب أمر الأشياء..لا تعرف أحيانا مقدار ما سكنها إلا حين يخلو منها.
كأن الغياب نحات بطيء.. لا ينحت من رحل.. بل ينحت مكانه في كل ما بقي.
حتى الحنجرة..قد يغادرها الصوت.. ويبقى الصمت يتحسس مكانه بلسان أخرس.
وحين يطول مقامه.. يصعد ما لم تقله الحنجرة إلى العينين.. ثم يعود إلى الحلق كلما حاول القلب ابتلاعه.
فبعض الغياب لا تسعه الذاكرة..فيضيق به الجسد.
وقد يضل القلب وهو في موضعه.. كأن الجهات كلها اجتمعت ونقصتها جهة.
تعيده الطرق إلى بيته.. ولا يعود.
تنام الأشياء في أماكنها.. ويبقى فيه شيء واقفا عند باب لا تراه العين.
فبعض الأرواح لا تغترب عن الأمكنة..
يوحشها أن تخلو جهة كانت تعرف اسمها.
وللمسافة أيضا مقاييس لا تعرفها الطرق..فقد تكون يد على مرمى الكف.. ولا تبلغ…وقد تكون يد أقصتها الجهات.. ثم يدلها الوجع على أقرب مواضعه.
تمر بالجرح هونا..لا تنبش قشرته.. لا تعد نزفه.. ولا تزاحم الألم على موضعه.
تترك عند حافته شيئا من البرد وتمضي.. فيهدأ ما لم تهدئه أعوام من الأيدي القريبة.
كأن بعض القرب بعد.. وبعض البعد يد.
هذا الصباح كان الهواء قد بدل يده.
فيه رائحة تراب يستبق المطر.. وندى بارد علق بطرف ورقة.. وخفة ورقة أخرى تفك آخر عراها من الغصن.
مددت كفي من النافذة..فمر البرد على صدري.
مر فقط..
لكن بعض الأشياء يكفيها أن تمر بنا مرة.. لكي يبقى طيفها أطول مما بقيت.
رفعت عيني إلى السماء..كانت صافية تقريبا.. والصيف ينقص منها بهدوء.
أما ذلك الصيف الآخر..مضى منه الصيف.. وبقي الطيف..وأما القلب.. فلا تسأله كيف.
جنيف ٠٢/٠٩/٢٠٢٦

32 مشاهدة