ألبومات من زمن الغياب
كلما سمعتُ عصفورا يغرّد فوق شجرة التين، أو تسرّبت إلى أنفي رائحة الزعتر المبلول بندى الفجر. كان الحنين أقوى من المنطق، وأعمق من الخرائط، وأصدق من صور الماضي المعلّقة في ألبومات من زمن الغياب.
عدت، لا لأجد المكان كما كان، بل كما كنتُ أتوهّم أنني كنت. فالمكان تغيّر، والوجوه تكسّرت في مرايا الوقت، حتى الأبواب لم تعد تعرفني، رغم أنها كانت تسهو ليلا على وقع خطواتي القديمة.
يا لغرابة العودة!
في الزنقة التي كان تمتدّ كالحبل السرّي بيني وبين الطفولة، وجدت قطة سوداء ترقبني بعين واحدة.
أهكذا صارت الأماكن؟ نصف نائمة؟ نصف ناسية؟
أين جلبة الأطفال، وصرخة البائع المتجوّل - الحوت، الحوت - ، وضحكة أمي وهي تناديني من الشرفة بصوت ما يزال يوقظني في المنام!!
كم من مرة قلت: لن أعود! ثم عدتُ.
لكنني لم أكن أنا، ولا الوطن كان الوطن.
ترانيم العودة ليست سمفونية تعزف . إنها تراتيل الغائبين العائدين بخُطى متعبة، يحملون في أيديهم غبار الاغتراب ، وفي قلوبهم صورا لا أحد يراها غيرهم.
صورا تهتزّ في العين كلما مرّ نسيمٌ يشبه نسيم الطفولة، أو رنّ في الأذن اسمٌ كان يُقال لنا بمحبة ذات يوم بعيد.
يا ربّ، علّمني أن أعود دون أن أنهار.
أن أمشي في الدروب القديمة دون أن أبكي على من رحلوا،أن أقول للبيت القديم: شكرا لأنك احتملت صمتي كل تلك السنوات،وأن أهمس للسماء التي فوقي: ها أنا عدت، لا كما خرجت،بل كما علّمتني الغربة أن أكون...
@المتابعون
ذ. جواد العوالي / المغرب

153 مشاهدة