فن الرواية في الأدب التشادي: النشأة والرواد
تعتبر الرواية من الفنون الحديثة في الأدب التشادي مقارنة مع الشعر التشادي الذي ظهر منذ وقت بعيد متجاوزا تسعة قرون، وقد اشتهر الشعر التشادي خارج حدود الوطن من خلال أشعار الشاعر إبراهيم الكانمي الذي ولد في مملكة كانم في واحة بيلمه، ثم انتقل للعيش في عاصمة دولة الموحدين بمراكش، وزار خلال إقامته هناك جنوب الأندلس وخاصة مدينة إشبيلية التي أقام فيها ما يقارب السنتين قبل أن يعود أدراجه إلى مراكش حتى توفي فيها 1212م.
أما الرواية والقصة القصيرة فقد احتاجت وقتا طويلا حتى وجدت نفسها ضمن اهتمامات الأدباء التشاديين في العصر الحديث.
ويعتبر الكاتب جوزيف إبراهيم سعيد أول من اقتحم هذا المجال ومهّد الطريق لمن بعده بقصصه ورواياته، التي بوأته مكانة كبيرة في تاريخ الأدب التشادي الحديث.
ويمكن القول إن المجموعة القصصية التي استهلّ بها جوزيف إبراهيم سعيد مسيرته الأدبية بعنوان: "تشاد تحت النجوم"، تعتبر إرهاصا لميلاد جيل الرواية التشادية.
وقد كتب جوزيف سعيد مجموعته القصصية هذه وهو طالب يدرس القانون في فرنسا في خمسينيات القرن الماضي، لكنه لم يتمكن من نشرها إلا 1963م بعد أن نالت جمهورية تشاد استقلالها بثلاث سنوات.
وفي عام 1967م نشر جوزيف سعيد روايته التي حملت عنوان " طفل تشاد"، واضعا بذلك اللبنات الأولى لفن الرواية التشادية.
وكلا عمليْ جوزيف سعيد سواء مجموعته القصصية أو روايته تستلهمان من حياة الشخصية، وتسعى للحديث من خلال ذلك عن المجتمع التشادي والإنسان التشادي عن تطلعاته وهمومه ومشاكله وقضاياه التي تؤرقه في تلك الفترة، وكانت حياته تشكل الإنسان التشادي بشقيه الجنوبي والشمالي، المسلم والمسيحي. فقد وُلد جوزيف سعيد عام 1927م لأب مسلم وأم مسيحية في فورت لامي العاصمة التشادية أنجمينا لاحقا.
وبعد حياة حافلة مات الروائي التشادي جوزيف سعيد في العاصمة التشادية أنجمينا 4 مارس 1980م عن عمر يناهز الـ 53 سنة.
وإلى جانب مسيرة جوزيف سعيد المشرقة، فقد عمل وزيرا للعدل في فترة الرئيس تمبلباي، واستمر يشغل هذا المنصب قرابة عقد من الزمان بدءا من عام 1966 حتى السنة التي اغتيل فيها الرئيس التشادي فرانسوا تمبلباي عام 1975م.
ويأتي بعد جوزيف سعيد من حيث المكانة الأدبية الكاتب ماوندوي نايندوبا صاحب مسرحية " طالب سويتو"، وقد تم إدراجها ضمن برنامج الدراسة الثانوية الفرانكفونية، وبالتالي قرأ هذا العمل الطلاب في مختلف المستعمرات الفرنسية، وقد كتبها عام 1978م، ونشرت في باريس عام 1981م، وقد تم ترجمتها مؤخرا إلى اللغة العربية على يد المترجم التشادي عبد العزيز إسحاق الأمين. توفي الروائي ماوندوي نايندوبا في يناير 2003م.
ويمكننا أن نضع الروائي محمد بابا مصطفى بعدهما، وعُرف بكتاباته الأدبية من قصة ومسرحية، إلا أنه اشتهر بروايته " نسمة هرمتان" (وكلمة هرمتان تعني الرياح الجافة الحارة التي تهب من الصحراء الكبرى نحو غرب أفريقيا وتكون عادة محملة بالغبار).
وقد كتب بابا مصطفى هذه الرواية في وقت مبكر من حياته، وبعد وفاته إثر حادث سير في باريس 1982م وعمره ثلاثون سنة فقط، عثر ابنه على دفاتر كان دوّن فيها روايته هذه، وقام أصدقاؤه بتقديم هذه الدفاتر لجمعية " من أجل تحسين المعرفة في تشاد" التي تولت طباعتها، ونشرها في باريس عام 2000م، وتقع في 346 صفحة.
●●●
أما عن الرواية العربية في تشاد فقد تأخرت عن مثيلتها الفرنسية 41 سنة، وقد بدأت الرواية العربية التشادية على يد الروائي آدم يوسف موسى، وكانت بداياته الأدبية تشبه بدايات جوزيف سعيد، إذ أن الكاتب آدم أيضا استهل حياته بنشر مجموعة قصصية بعنوان " أشواك" التي نشرها عام 1999م، وتلا ذلك روايته المشهورة " سندو: يوميات في دهاليز إفريقيا" حتى عُرف في الأوساط الأدبية بـ"آدم سندو".
إضافة إلى الروايات التي نشرها لاحقا: رواية "أنجمينا مدينة لكل الناس"، ورواية " أعشاب تنمو في أي مكان" وغيرها من الأعمال الأدبية.
وقد فتح الكاتب آدم سندو المجال أمام من جاءوا بعده مثل الروائي طاهر النور صاحب رواية " سيمفونية الجنوب" والحائز على جائزة توفيق بكار للرواية العربية بتونس عام 2022م عن روايته " قودالا"، وله روايات أخرى مثل: " مزرعة الأسلاك الشائكة"، و " رماد الجذور"، و " تحت سماء واطئة".
أيضا من رواد الرواية العربية في تشاد الكاتب جدي روزي الحائز على الجائزة الكبرى للتميز الأدبي وهي جائزة سنوية تقدمها وزارة الثقافة التشادية، وقد فاز بها الكاتب جدي عن مجموع رواياته: " زمن الملل" الحائزة على جائزة غسان كنفاني، و "قارب يلاحق مرساه"، و " ارتدادات الذاكرة"، و "التاريخ السري المعلن لآدم حواء" وهذه الرواية الأخيرة حازت على منحة بيت التلمساني.
إضافة إلى الحضور النسوي في الرواية العربية التشادية، ونذكر على سبيل المثال: الكاتبة كوثر السالمي صاحبة رواية " انتقام من أجل الغرام"، والكاتبة سعدية مادرشي صاحبة رواية " أم أبوها" إلى غير ذلك من الروايات المنجزة في هذه الفترة.
وقد قدّمت الرواية التشادية بشقيها العربي والفرنسي سمعة طيبة لتشاد والتعريف بها وبقضايا هذا البلد الإفريقي الغني بتراثه وتعدد هوياته، وأرجو أن أكون قد ساهمتُ ولو بصورة مختصرة في التعريف بتاريخ الرواية في تشاد مع الإشارة إلى أشهر روادها منذ ستينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا.
محمود شريف محمد

8 مشاهدة