مقابلات أدبية (٢)
حاورته: ملاذ الطاهر:
_حدثنا عن محمود الشاعر والإنسان؟
محدثكم محمود شريف محمد نور، من مواليد جدة المملكة العربية السعودية، إنسان عادي لكنه يلبس لكل حالة لبوسها.
_منذ متى وانت تكتب الشعر؟
عمري الشعري ليس طويلا فقد بدأت في كتابة الشعر عام ٢٠٠٣م، أي قبل ١٩ سنة تقريبا.
_ما أنواع الشعر وما اللون المفضل لديك؟
إن كنت فهمت السؤال جيدا فإن أنواع الشعر السائدة في الساحة الشعرية الآن هي الشعر العمودي، والشعر الحر أو ما يسمى بشعر التفعيلة، وقصيدة النثر، وإن كنت متحفظا من النوع الأخير لأنه يفتقر إلى أبرز ميزة في الشعر العربي وهو الوزن.
وأنتهز هذه الفرصة لأقول أن شعر النثر لا يمكن الوصول إليه إلا بعد اجتياز واختبار الأنواع الشعرية الأخرى أيضا، وهذا الترتيب التصاعدي نفتقده كثيرا في الساحة الشعرية التشادية إذ تجد المبتدئين يقفزون قفزا إلى شعر النثر ظنا منهم أنه أسهل ولا يشكل لهم الوزن مشكلة، بيد أن هذا اللون اللون الشعري - إن كان شعرا- صعب ولا ينضبط إيقاعه مع عديمي التجربة.
أما اللون المفضل لدي فأظن أن في الشعر العمودي وشعر التفعيلة غنية وكفاية.
_لمن يقرأ د.محمود من الشعراء ؟ وما المدرسة الشعرية التي تأثرت بها ؟
هذا السؤال سهل في الظاهر لكن حين الإجابة ينغلق عليك مسار الإجابة ويضيق. لكني أشير لمن أقرأ لهم بشكل مستمر وهم : المتنبي، والبحتري، وأبو تمام، والبارودي، وشوقي، ومحمد عبد الباري إضافة إلى الاطلاع على الأعمال الشعرية الجيدة الأخرى على اختلاف العصور.
أما بالنسبة للتأثر بالمدارس الشعرية فبإمكان الشاعر أن يستفيد ويتأثر بكل المدارس الشعرية المتاحة. فلعل الشاعر يحتاج في موقف إلى أساليب شعرية تعود للعصر الجاهلي، وفي مواقف أخرى يحتاج إلى أساليب أخرى، فالمواءمة بين الأساليب القديمة والحديثة يمنح الشاعر مرونة في التعبير.
_يقال (الليل وحي الشعراء ) ..ماهي أحب أوقات الكتابة لديك والطقوس التي تمارسها ، ومصادر إلهامك ؟
ما زال الليل يفتح على الشعراء سماوات الإلهام ويصادفنا ذلك كثيرا في معاناة الشعراء. كما حصل ذلك مع الفرزدق وتحديه للأنصاري فكتب ملحمته الفائية ليلا وهي تفوق المائة بيت.
والقصيدة الفاضحة التي أنشأها جرير في هجاء بني نمير كتبها ليلا، وهكذا كان أحمد شوقي يكتب قصائده وقت السحر حيث السكون والهدوء وإن كان شوقي يكتب قصائده كيفما اتفق لسرعة خاطره وقوة بديهته.
عن نفسي لا أعرف وقتا محددا للكتابة، كما أني لا أريد إجبار نفسي وحملها على الكتابة، إذ الكتابة بمنزلة الطعام والشراب يُفضل أن تكون مقترنة مع الحاجة إليها، ولهذا لا أكتب في العام أكثر من قصيدتين أو ثلاثة.
أما عن الطقس الذي أمارسه أثناء كتابة القصيدة فغالبا ما أضع كوب ماء أمامي أثناء الكتابة(لا تسألوني لماذا أفعل ذلك فأنا أيضا لا أعرف هههه)
مصادر الإلهام قد يكون الموقف ذاته الذي يجبرني على الكتابة، وربما أفتح شهيتي الشعرية بقراءة جملة من القصائد بصورة عشوائية لتحفيز الذاكرة وإنعاش القريحة. ذكروا في سيرة الأستاذ الرافعي أنه كان يقرأ القرآن الكريم ويطالع كتاب الأم للإمام الشافعي قبل أن يتجه لكتابة مقالاته ونصوصه الأدبية. فهي وسيلة جيدة للإحماء.
_ هل المعلم هو الأساس لإكتشاف الموهبة الأدبية؟ ومن المعلم الذي له الفضل في إكتشاف الشاعر محمود؟
إذا كان المعلم جيدا في أدائه فهذا يحبب لطلابه تلك المادة أيا كانت هذه المادة من هذه الناحية نعم قد يكون المعلم ساعد على اكتشاف الطلاب لموهبته الأدبية بقصد وبدون قصد أيضا.
لا أتذكر معلما ساعدني على اكتشاف الموهبة الشعري لدي بقدر ما ساعدتني البيئة التعليمية للمركز الكويتي والأنشطة الثقافية المصاحبة.
_لضيفنا تجربة في حقل التعليم والتوجيه لو حدثتنا عن ذلك ؟ ومتى نرى لدكتور محمود قصائد تدرس في المناهج التشادية ؟
تجربتني في الحقل التعليمي بدأ عام ٢٠١١ بالتدريس في أكاديمية الأمل مادة التاريخ، ثم انتقلت إلى ثانوية زيد بن ثابت ودرّست فيها عامين دراسيين حتى بدايات عام ٢٠١٣م، ثم عملت مدرسا في المركز الكويتي للعام الدراسي ٢٠١٧م، والآن منذ ٢٠١٨م وحتى يومنا هذا مدرسا في مجمع المجد التعليمي، وتخلل هذه الفترة التدريس في جامعة الملك فيصل بتشاد كلية الدراسات العليا قسم التاريخوالحضارة.
إن شاء الله في قادم الأعوام إذا توفرت لدينا مناهج دراسية تشادية، وتخففنا قليلا من المحسوبية يمكن أن نرى نصوصا تشادية في مناهجنا.
_ نصحت المبتدئين في كتابة الشعر بأن لا يكونوا mp3 ويحفظوا الأشعار...الشعر الحقيقي إنعكاس لموهبة...ماهي العوامل الأخرى التي تصقل هذه الموهبة..وتسهم في تشكيل الشاعر المبدع؟
نعم الحفظ المجرد مضرٌّ بمن يفكر في كتابة الشعر. لكل شاعر هندسته وطريقته الخاصة في بناء قصائده، والشاعر المبتدئ يجب عليه أن يفهم هندسة بناء القصائد قبل أن يتجه إلى حفظ الشكل الخارجي للقصيدة. وهذه المشكلة التي رفع من مكانة أحمد شوقي إلى مصاف العظماء لأنه كان يلاحظ ويفكك الأشكال الهندسية لقصائد الشعراء، أما صديقه حافظ إبراهيم فقد اتجه إلى حفظ النص فكان مجرد مقلد، وأصبح شوقي مبدعا حتى بايعه الأخير أميرا للشعراء مع شعراء الأقطار العربية.
فالحفظ الذي يحتاجه الشخص ليكون كاتبا هو ملاحظة العناصر التي تتكوّن منها هذه القصائد، أما التحول إلى مسجل ولاقط للأصوات فقط فإنه في أقل الأحوال يبقى في خانة التقليد الببغاوي ويكون ضمن (... والآخر الصدى) كما يقول المتنبي.
ولدينا في التاريخ الشعري والتشادي أمثلة حية صار الحفظ المجرد كارثة على موهبتهم.
أما إذا أراد الشخص أن يكون ناقدا فكلما حفظ أكثر كانت أحكامه أقرب إلى الصواب والمنطق
والشاعر يحتاج إلى كل العلوم والمعارف بمعنى يجب أن يكون مثقفا ملما بمختلف العلوم لاستخدامها في توسيع دائرة الخيال لديه، وتشكيل صوره الشعرية. واستخدام المعارف يحتاج منه ذكاء في التقاط اللحظة واللفتة البارعة دون أن يُشعر القارئ بطريقة مباشرة.
_نرى أنك تقرأ الرواية،وتنتج الشعر ..مالذي أضافته لك قراءة الرواية كشاعر؟
أهوى قراءة الرواية الجيدة فهي بمنزلة الفيتامينات التي احتاجها لتغذية قصائدي.
وتقنيات الكتابة الروائية ربما تفيد الشاعر خاصة وأن الشعر يتضمن ما يشبه الأقصوصة كما نرى ذلك عند امرىء القيس ونابغة ذبيان والأعشى أبو البصير وعمر بن أبي ربيعة. لكن في نهاية الأمر يتوقف استخدام هاتيك التقنيات على ذكاء الشاعر.
_ هل برأيك الشعر اليوم يحاكي قضايا الواقع كما في الرواية ،ويتطرق إلى حلول؟
الرواية بحكم أنها غير مقيدة بقيود التفاعيل والأوزان والبحور ... فيها الكثير من الحرية والمساحات المفتوحة وكان هذه فرصة للحديث عن كل شيء بسلاسة ووضوح، ونحن الآن نعيش عصر الرواية التي أصبحت ديوان العرب كما كان الشعر في عصر مضى.
لكن يبقى للشعر حضوره وهيبته وسيرورته في الناس وإن كان مقتصرا على النخبة، وما تقوله الرواية في مئتي صحفة يلخّصه الشعر في قصيدة واحدة، فالتكثيف ميزة الشعر والتفصيل طبيعة الرواية وكلاهما يؤديان أدوارهما في تناول قضايا الواقع إلى أنهما يختلفان فى مستوى التأثير والانتشار والطبقات التي يستهدفانها.
_ الغموض في الشعر يعني الإبداع ...لكن القارئ دائما يبحث عن الشعر السهل ..هل يلزمك ذلك إلى شرح المقاصد ،وتوضيح النصوص .،أم تترك القارئ يسبر أغوارها؟
ليس بالضرورة أننا نجد الإبداع الشعري في الغموض، وإن كان البعض يقصد الغموض لإثبات جدارته الشعرية.
أعتقد أن هناك فرق بين التلميح والرمز وبين الغموض فالإشارات أيا كانت التي يستخدمها الشاعر إذا لم يقف القارئ على مدلولاتها يصبح الشعر غامضا عنده هو فقط فالغموض هنا شيء طارئ لا علاقة له بالشاعر وقصيدته.
والقراء العاديون في أي زمن يبحثون عن البيضة المقشورة في الشعر يريدون فهمه دون أن يكلفوت أنفسهم عناء. ولهذا عندما أنشد أبو تمام قصيدة له قال له أحدهم: لماذا لا تكتب ما يفهمه الناس؟ فردّ قائلا: ولماذا لا تفهم ما يكتبه الناس؟ بسيطة!!.
الشعر ليس متنا تعليميا ليشرح الشعر بحكم رمزيته تكون معانيه مفتوحة المصدر تتصالح مع عدة تأويلات مختلفة. وأنت ترى ذلك في أشعار المتنبي التي يجد فيها كل الناس على اختلاف أحوالهم وأزمنتهم وأمكنتهم صورة تعكس الحالة الخاصة بهم والظرف الذي يعيشونه.
_ما رأيك في مستوى الأدب المحلي .. وهل هناك رابط بين الظاهرة الثقافية بشكل عام وظاهرة الشعر بشكل خاص، بالتحولات الإقتصادية والإجتماعية بكل محتوياتها في بلدنا؟
منذ عام ٢٠١٦م نشهد اهتماما منفاوتا في تطوير الساحة الثقافية والشعرية، ولا أظن أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية لها دور يذكر. إذ أن المجتمع والبيئة الثقافية عندنا منفصلان تماما الانفصال فالمجتمع لا يرى أية أهمية في الشعر والرواية وكل هذا الزخم الثقافي فما زالت أوراق الكتب تابعة للأوراق النقدية.
إلا اللهم أن الشعر التشادي استفاد في استثمار موضوعات الحياة الاقتصادية والاجتماعية وجعلها مادة دسمة له.
_لاحظنا ظهور شعراء شباب في الساحة ولا بد من وجود حركة نقد يغربل الإنتاج الشعري ..هل هناك منهج نقدي متخصص وجاد..يواكب حركة الشعر في تشاد ؟
للأسف الشديد تطور الشعر دائما ما يقابله تخلف للنقد في تشاد، فلم يتكمن من اللحاق به ومسايرته، وما زلنا نعيش أزمة الناقد الذي ينير طريق الشاعر.
وهذا لا يعني أن الساحة الشعرية التشادية خالية تماما من كل ناقد بل هناك نقاد يمكن الاعتماد عليهم لو أتيحت لهم الفرصة وتفرغوا لهذه المهمة الشاقة ويحضرني هنا اسم الدكتور الشاعر أحمد عبد الرحمن سماعين.
_بماذا تفسر أقوالك التالية....
_أعطيت مملكة الشموس توهجي
ونزعت من مدن الثلوج يمينا.
عادة لا أحب شرح قصائدي لكن ما دام هذا السؤال ضمن الأسئلة سأكون مضطرا للإجابة.
ببساطة يشير هذا البيت إلى الاستمرار على المبادئ والأخذ بها والتخلي عن التماسك المزيف الذي يتفكك تحت أي ظرف.
لن أسأل المرآة تعكس صورتي
فملامحي جمدت عليها طينا.
وهذا البيت أيضا قريب من معنى البيت السابق وإن كان يختلف عنه في الصياغة.
_
ﺃﻟﻘﻰ ﻟﻲ ﺍﻟﻘﻮﻝ ﻭﺣﻴﺎ ﻏﻴﺮ ﺫﻱ ﺟﺮﺱ ..
ﻟﻠﻄﻴﺮ ﻣﺎ ﻟﺤﻨﺖ ﻟﻠﻈﺒﻲ ﻣﺎ ﻏﺰﻟﺖ
ﻭﺩﻣﻊ ﻣﺮﺛﻴﺘﻲ ﻟﻸﺭﺳﻢ ﺍﻟﺪﺭﺱ ..
ﻭﻣﻘﺤﻤﺎﺕ ﺑﻨﺎ ﻓﻲ ﻏﻴﻞ ﺫﻱ ﻟﺒﺪ
وهذا باختصار إشارة إلى بعض أغراض الشعر كالغزل والرثاء..
_ ومذ هشموا زجاج الشرق ظلوا
يشدون الفتيل إلى الفتيل.
هههه هذا البيت بذات لا أريد أن أحصره في شرح بعينه. الشرح يفسد شكله.
_ماذا يعني للشاعر محمود كل من....
_ القلم: منبر من لا منبر له.
_الوطن: الملاذ الآمن.
_الوقت: رأس المال.
_الأطفال: استمرار لطفولتنا.
_الصديق: أخ لم تلده أمك.
_الإنترنت: نافذتي على العالم.
_إن كان هناك إمارة للشعر عندنا فمن يستحق لقب أمير الشعراء ؟
بالتأكيد كان يستحقها الشاعر عيسى عبد الله رحمه الله. وأعتبره نموذجا مثاليا للشاعر التشادي.
لا تنتهي أسئلتي ولا نكتفي بالحوار معك ..نود أن تنهي هذا الحوار بالطريقة التي تحب...
سعدت بهذا اللقاء مع مدونة نصوص والتي أتمنى لها أن تستمر هلى هذا المنوال لتحقق الإضافة لتغير إيقاع الرتابة.
1 مشاهدة
