
مقال دقيقتان للقراءة
إخفاء الذات باسم التواضع
التواضع لا يعني أن تخفي كفاءتك أو تخجل من إنجازاتك؛ ففي سوق العمل، لا تكفي المهارة وحدها إن لم تعرف كيف تقدّمها. اعرف قيمتك، طوّر مهاراتك، وقدّم نفسك بثقة دون مبالغة أو تصنّع.
أعتقد أن هناك خيطًا دقيقًا يفصل بين التواضع الحقيقي والتقليل من الذات.
كثير من شبابنا، خصوصًا في المهجر، يخسرون فرصًا ثمينة لأنهم يخلطون بين الثقة والغرور، ويظنون أن الحديث عن مهاراتهم وعرض إنجازاتهم نوع من «قلة الحياء». بينما الحقيقة أن قيمتك المهنية، خصوصًا في المجالات التطبيقية، لا تكفي وحدها؛ بل يجب أن تعرف كيف تعرض خبرتك وتُظهر كفاءتك بالصورة التي تستحقها.
كتبت هذه الكلمات بعد أن رأيت مرارًا شبابًا أكفاء يخرجون من مقابلات العمل بخيبة أمل لا تتناسب مع مستواهم. وآخرهم شاب تشادي درس الإحصاء في واحدة من أعرق الجامعات الفرنسية، وتدرّب في شركات عالمية. كان ملفه، على الورق، مثالًا لمرشح قوي، لكنه خرج بلا وظيفة.
ليس بالضرورة لأنه أقل كفاءة، بل لأنه لم يعرف كيف يقدّم نفسه كما ينبغي: حديث متردد، نبرة خافتة، تجنّب للتواصل البصري، وإنجازات كبيرة اختصرها في جمل قليلة ثم سكت.
وفي المقابل، نرى أشخاصًا عاديين جدًا من حيث المهارات والخبرة، لكنهم يمتلكون جرأة الظهور وفن تقديم أنفسهم، فتُفتح أمامهم أبواب وفرص قد لا يصل إليها من يفوقهم كفاءة.
أعتقد أن جزءًا من المشكلة يعود إلى تربيتنا. نشأنا على أن من يمدح نفسه «متكبر»، ومن يتحدث عن إنجازاته «مغرور»، وأن الثقة بالنفس «شوفة حال». حملنا هذا الموروث معنا إلى الخارج، ودخلنا به إلى سوق عمل لا يكتفي بما تعرفه، بل يهتم أيضًا بقدرتك على إظهار ما تعرفه.
في مقابلة العمل، لن يبحث أحد في داخلك ليكتشف قيمتك. إن لم تعرف كيف تقدّم خبرتك، وتشرح إنجازاتك، وتُظهر نقاط قوتك، فلن يتطوع أحد لفعل ذلك نيابةً عنك.
من لا يعرف كيف يُظهر قدره، قد لا يمنح الآخرين فرصة لمعرفة هذا القدر.
والاحتراف، في رأيي، يقوم على جانبين متكاملين: أن تتقن تخصصك، وأن تكتسب المهارات الناعمة التي تمكّنك من تقديم نفسك والتواصل بثقة ووضوح.
وحتى المظهر له دوره. ليس المطلوب ارتداء الملابس الباهظة أو التصنّع، وإنما أن يكون مظهرك مرتبًا ومناسبًا للمقام؛ لأن الاهتمام بالتفاصيل جزء من الانطباع الذي تتركه عن نفسك.
والفرق بين التواضع والتقليل من الذات بسيط:
- التواضع: أن تعرف قيمتك دون أن تتعالى على الآخرين.
- التقليل من الذات: أن تخفي قدراتك وإنجازاتك وكأنها لا تستحق أن تُذكر.
لا أحد يطلب منك التكلّف أو التصنّع. المطلوب ببساطة أن تتحدث عن نفسك دون اعتذار، وأن تعرض إنجازاتك بلا مبالغة ولكن أيضًا بلا خجل، وأن تهتم بمظهرك كما تهتم بكلماتك.
احترم نفسك، واعرف قيمتك، وقدّمها بثقة.
فأحيانًا لا ينقصك علم ولا خبرة ولا كفاءة…
ينقصك فقط أن تعرف كيف تُظهر ما لديك.
#خربشات #ده_مش_كلام_بتاعين_التنمية_البشرية
