عاشت لتروي
كنتُ أستمتع بحكايات جدّتي كما يستمتع العطشان بنبض الماء حين يهمي من دلاء الطفولة... كانت تحكي - طير البقر-، فأصمت... لا لأنني لا أملك شيئا لأقوله، بل لأن صوتها كان يُسكِت الضجيج بداخلي، ويُطفئ ضوء العالم الخارجي، ويشعل قناديل الذاكرة في أقصى زوايا القلب.
كانت الجلسة تبدأ بشيء من التنهيدة، كأنّها تفتح بوابة قديمة، وتنكشف الحكاية من بين تجاعيد يديها، كأنها صفحة لم تُكتب بالحبر بل بالوجدان. تحكي عن رجال لا يشبهون رجال اليوم، ونساء كنّ ينسجن الوقت بالصبر، وعن قرى لا يضيع فيها طفل، ولا يُطفأ فيها ضوء مصباح قبل أن يُتمم الليل نجواه.
في حضنها، كنت أحتمي من فوضى العالم، من قسوة الأبجدية، من انكسارات الصمت. كانت حكاياتها مرآة لا تُظهر ملامحي، بل تضيء ما خفي من ملامح القلب. وكانت الكلمات تنساب منها كما ينساب عطر( المزهر) من ثوب قديم… بهيّ، خافت، ولكنه لا يُنسى.
آهٍ يا جدّتي، كم تمنّيتُ أن أحتفظ بكِ كما يُحتفَظُ بوردة في كتاب، لا تذبل، لا تفقد عبيرها، ولا تتلاشى من بين السطور...
رحمك الله جدتي، كنت خير خلف لخير سلف؛ نعم الأم، نعم الجدة، تربية و أخلاقا.. إنك مدرسة حياة..
اللهم نور قبرها و جعله روضة من رياض الجنة.

31 مشاهدة