في إشراقة آية
| الإشراقة الأولى
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾
حين تصل إلى ما كنت تريد، ثم تسأل نفسك: وبعد؟
أنجزتَ وتعبتَ وبنيتَ، ومع ذلك يأتيك في ليلة هادئة سؤال ثقيل: إلى أين أمضي بكل هذا؟
إن كان هذا حالك فلست وحدك، فهذا سؤال البشرية كلها. قصتها من أولها قصة بحث عن السعادة والأمن والاستقرار، وعن الفهم والوضوح. لكن نتائج هذا البحث كثيراً ما تكون، يا أحبّتي، موضوعاً محزناً للقراءة.
وقد وقفتُ في كتابي «في إشراقة آية» مع هذه الآية الكريمة، فوجدتها تذكر لنا أربعة آلام، وتدلّنا مع كل ألم على علاجه.
الألم الأول: طرق كثيرة ولا طريق ينجّي
تجرّب طريقاً ثم آخر، وتقول: لعل الأخير هو المطلوب.
العلاج: أن نعرف أن سبيل الهداية هو السبيل الوحيد الذي ينبغي أن نسلكه. فإذا تركناه فليس هناك سبل أخرى للنجاة والفوز والنجاح. والضالّ قد يجد طرقاً كثيرة، لكنها كلها توصله إلى غير ما يريد، وإلى غير ما يحقق به ذاته ووجوده.
وقد وضّح النبي ﷺ ذلك بمثال بسيط، كما رواه جابر رضي الله عنه: رسم خطاً مستقيماً، ورسم خطين عن يمينه وخطين عن يساره، ثم وضع يده على الخط الأوسط وقال: «هذا سبيل الله»، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾.
الألم الثاني: راحة في الجسد وحيرة في الروح
تتحسن ظروفنا، ولا تتحسن طمأنينتنا.
العلاج: أن نفهم أن هذه مفارقة عجيبة يلمسها كل من تأمّل في واقع البشرية. فقد تقدّمت تقدماً متواصلاً في الاكتشاف والتقنية والتنظيم والسيطرة على البيئة، أما في الجانب النفسي والأخلاقي والإنساني فلم تجد في الغالب إلا الحيرة والارتباك. وكان الناس يأملون أن تنعكس وسائل الراحة والرفاهية على أرواحهم ونفوسهم ومجتمعاتهم، لكن ذلك، مع الأسف، لم يتحقق. فالراحة المادية وحدها لا تغني عن الهداية.
الألم الثالث: عقل لامع ووجهة غير واضحة
نظن أن الذكاء وحده يكفي ليدلّنا على معنى حياتنا.
العلاج: أن نعرف حدود العقل. فهو، على ما فيه من طاقات هائلة، يشبه في القضايا الكبرى «المدير التنفيذي» الذي يجهّز كل أدوات الرحلة، لكنه لا يحدّد إلى أين تتجه. وتحديد الوجهة من مهام «القائد»، وهو المنهج الرباني المعصوم.
وهذا ما انتهى إليه أينشتاين، وهو من أكبر عباقرة القرن العشرين، حين قال: «إن حضارتنا تملك معدات كاملة، لكن الأهداف الكبرى غامضة».
ويقول بيير كارلي، أستاذ فسيولوجيا الأعصاب: «العلم يهدف إلى تمكيننا من معرفة أفضل بالعالم وعلاقتنا به... أما الإيمان فيقول لنا ما ينبغي فعله لكي نعطي لحياتنا معنى، إنه يقدّم لنا الغاية من الوجود والقيم وأسباب الأمل والعمل».
فلا تعارض بين العلم والإيمان، فالعلم ينير لنا الطريق، والإيمان يدلّنا على الغاية.
الألم الرابع: سيل من الأفكار يهزّ الجذور
تأتينا كل يوم صور ونماذج وأفكار من كل جهة، فيضطرب وعينا من غير أن نشعر.
العلاج: أن نبقى منتبهين. فأمة الإسلام ما زالت تنعم، بفضل الله، بالهداية ومعرفة سبيله، وهذا يخفّف عنها كثيراً من مشاقّ الحياة. لكن لا ينبغي أن نطمئن كثيراً، فهذا الفيض الهائل من الأفكار والصور والنماذج أربك الوعي عند كثير من الناس، وصرنا نرى ثقافات محلية عميقة الجذور بدأت تضعف وتتفكك.
وهذا ما حذّر منه النبي ﷺ أمته، فقد خاف عليها من الانبهار بزخارف الدنيا، ومن أن تعجز عن إقامة أمر الله في أيام الرخاء والرفاهية.
وأحب أن أترك لكم سؤالاً يرافقكم اليوم: لو سألك أحد الليلة «ما وجهتك في الحياة؟» فماذا تقول له؟ وهل أدواتك التي أتقنتها تخدم هذه الوجهة؟
ومن صدق في طلب الهداية أعانه الله عليها، فقد قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
وأسعد بآرائكم في التعليقات: ما الذي جعلك لأول مرة تقف مع نفسك وتسأل «إلى أين؟»
وغداً، بإذن الله، نقف مع قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾، وكيف يمكن للإنسان أن ينسى نفسه.
من كتابي «في إشراقة آية»، الفصل الأول
د. عبد الكريم بكار
127