《 كَوْكَبُ القِرَدَة 》
«العَظَمَةُ فِي زَمَنِنَا لَيْسَتْ فِي أَنْ تَكُونَ صَانِعًا لِلتَّارِيخ، بَلْ فِي أَنْ تَكُونَ إِنْسَانًا.»
«كَوْكَبُ القِرَدَة»
اسْتَيْقَظْتُ صَبَاحًا مِثْلَ كُلِّ يَوْم فِي مَلْجَأِي فَوْقَ الأَرْض؛ أَكَلْتُ مَا اجْتَهَدْتُ فِي جَمْعِهِ مِنْ هَذَا الكَوْكَب. فَكُلَّ يَوْمٍ يَقُودُنِي عَقْلِي —وَأَنَا أَلْتَزِمُ الصَّمْتَ نَحْوَه— إِلَى البَحْثِ عَنِ الطَّعَامِ بِطَرِيقَةٍ تَبْدُو غَرِيبَةً عَنْ سُكَّانِ الكَوْكَب، تَعْرِفُونَ مَاذَا أَقْصِد؟ لَا أَشُكُّ فِي ذَلِك.
ثُمَّ إِلَى الحَدِيقَةِ أَحُثُّ الخُطَى، هُنَالِكَ أَكْسِبُ قُوتَ يَوْمِي. يَنْتَصِبُ فِي وَسَطِ الحَدِيقَةِ سِيرْكٌ عَظِيم، يُقَدِّمُ عُرُوضًا يَوْمِيَّةً مُخْتَلِفَة؛ بَيْنَ مَا هُوَ دَرَامِيٌّ، وَمَا هُوَ كُومِيدِيٌّ، وَمَا هُوَ كُومِيدِيٌّ أَسْوَد، أَمَّا التَّرَاجِيدِيَا فَلَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ عَنْهَا!
عَلَيَّ أَنْ أُؤَدِّيَ الدَّوْرَ الَّذِي عُهِدَ إِلَيَّ مِنْ مُتَعَهِّدِ السِيرْك لِلْحِفَاظِ عَلَى رَاحَةِ الجُمْهُور.. هَذَا عَمَلِي: أَتَفَقَّدُ الخَيْمَةَ، وَأَحْرِصُ عَلَى تَأْمِينِهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ تَحْتَرِقَ أَوْ تَقَعَ عَلَى رُؤُوسِ جُمْهُورِهَا، أُطْعِمُ حَيَوَانَاتِ العَرْض، أَكْنُسُ، أُرَتِّبُ، أَبِيعُ التَّذَاكِرَ... بِاخْتِصَارٍ، عَمَلِي هُوَ أَنْ أَجْعَلَ الجُمْهُورَ يَشْعُرُ بِكِبْرِيَائِهِ، وَهُوَ عَمَلٌ —مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِي— أَكْثَرُ نُبْلًا مِنْ أَنْ أَكُونَ أَنَا الجُمْهُورَ نَفْسَه.
رَأَى السَّيِّدُ المُتَعَهِّد كَآبَةَ حُزْنٍ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِي... لَا، أَبَدًا، لَمْ يَسْأَلْنِي! اكْتَفَى بِنَظَرَاتٍ مُتَفَحِّصَةٍ نَائِيَة، وَالْتَزَمَ الصَّمْت، وَفِي اليَوْمِ المَوَالِي قَرَّرَ أَنْ يَرْفَعَ رَاتِبِي بِمِقْدَارِ رَغِيفٍ كَامِلٍ فِي اليَوْم.
اعْتَدْتُ بَعْدَ الدَّوَام أَنْ أَجْلِسَ فِي الحَدِيقَةِ أُحَمْلِقُ فِي الحَيَاةِ الجَدِيدَة جِيئَةً وَذَهَابًا، وَأَتَسَاءَل: لِمَاذَا لَا تَنزَعِجُ الطَّبِيعَةُ مِنْ هَذِهِ الطَّفْرَةِ الَّتِي تَحْكُمُهَا؟ هَلْ تَحْتَاجُ الطَّبِيعَة إِلَى أَنْ تُصْلِحَ مَا يَبْدُو لِي شُذُوذًا فِي بِنْيَتِهَا الخَلَوِيَّة؟ فِي النِّهَايَة تَوَصَّلْتُ إِلَى إِجَابَةٍ تَبْدُو مُقْنِعَةً إِلَى حَدٍّ مَا... أَلَيْسَتْ هَذِهِ الطَّفْرَةُ نَفْسُهَا هِيَ الَّتِي جَعَلَتْنِي مُمَيَّزًا؟ أَيْنَ الضَّرَرُ إِذَنْ؟
أَعُودُ إِلَى مَلْجَأِي فَوْقَ الأَرْض، وَقَدْ طَرَدْتُ مِنْ رَأْسِي كُلَّ الأَفْكَارِ البَشَرِيَّة.
أُغْمِضُ عَيْنَيَّ فَتَجْتَاحُ مُخَيَّلَتِي فِكْرَةٌ جَمِيلَة، سُرْعَانَ مَا تَجْثُمُ عَلَى رُوحِي لِتَتَحَوَّلَ إِلَى أُمْنِيَة:
(سَأَصْحُو فِي اليَوْمِ التَّالِي دُونَ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى وَجْهِي فِي المِرْآة).
✒️ تُوفِيق بِلْغِيث
#مجتمع #مجتمع_عام #أدب

13 مشاهدة