في إشراقة آية
| الإشراقة الثانية
﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾
أن تعرف اسمك وعملك وعنوانك، ثم تنسى نفسك. هل يمكن أن يحدث هذا فعلًا؟
القرآن يجيب: نعم، ويحدث حين ينسى الإنسان ربَّه. يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾.
وقد وقفتُ في كتابي «في إشراقة آية» طويلًا عند هذا المعنى، فرأيتُ أن الإنسان لا ينسى نفسه فجأة، وإنما يصل إلى ذلك عبر ثلاث درجات، تقود كل واحدة منها إلى التي تليها.
الدرجة الأولى: أن يبرد القلب.
حين تضعف صلتنا بالله، يبهت إحساسنا به. وقد رأيتُ هذا حتى بين العاملين في الخير؛ يشتغلون بنفع الناس ليلًا ونهارًا، ثم تغيب عنهم النية والشعور بالقرب من الله، فيجفُّ جانبهم الروحي شيئًا فشيئًا.
ولهذا كان الذكر حياةً للقلب، وفي الحديث الصحيح: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت».
الدرجة الثانية: أن تتغير مقاييسنا.
وما يبرد في القلب يظهر في الحياة.
فكنا نمدح الإنسان فنقول: فلان طيب، ابن حلال، خلوق، صالح، تقي، متواضع.
واليوم نقول: ناجح، شاطر، اجتماعي، مرن، أثبت ذاته.
وفي اعتقادي أن استمرار هذا التحول يجعل غايتنا أن ننجح فقط، لا أن نُفلح.
الدرجة الثالثة: أن تضيع الإجابات.
وحين تتبدل الغاية، يبقى الإنسان بلا مرجع يجيبه عن أكبر أسئلته: من أين جئت؟ ولماذا أنا هنا؟ وإلى أين المصير؟ وهي أسئلة لا يمكن للإنسان أن يجيب عنها بنفسه، فلا بد أن يكون جوابها عند من خلقه.
وهنا يتضح معنى الآية.
فمن لا يعرف من أين جاء، ولا لماذا جاء، ولا إلى أين يمضي، فقد نسي نفسه حقًّا، وإن حفظ اسمه وعمله وعنوانه. وكأنه ضيَّع نفسه في عاجلها وآجلها؛ تتلفه مشكلات الدنيا من كل جهة، ويخسر النجاة في الآخرة.
لكن طريق العودة قريب؛ لأنه يبدأ من حيث بدأ النسيان: من القلب.
ركعتان بحضور، وذكرٌ في الصباح، ولحظة صدق مع الله؛ كلها خطوات صغيرة تعيد الإنسان إلى نفسه.
والله غالب على أمره.
وأحب أن نتشارك سؤالًا بسيطًا:
ما الذي يعيدك أنت إلى نفسك حين تضيع وسط زحمة الأيام؟
وفي الإشراقة القادمة، بإذن الله، نقف مع قوله تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
من كتابي «في إشراقة آية»، الفصل الثاني.
د. عبد الكريم بكار
32 مشاهدة