في إشراقة آية
| الإشراقة الثالثة
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
جاء سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه إلى النبي ﷺ، فقال: «يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك». فأجابه النبي ﷺ: «قل: آمنت بالله، ثم استقم». رواه مسلم.
أراد سفيان كلمة جامعة يحملها معه في حياته، فجاءه الجواب في كلمتين تختصران طريقًا طويلًا: الإيمان، ثم الاستقامة.
وهذا المعنى تؤكده الآية: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. وقد وقفتُ عندها في كتابي «في إشراقة آية»، وقلتُ إن الاستقامة هي المداومة على فعل ما ينبغي فعله، وترك ما ينبغي تركه.
وحسب الاستقامة أهميةً أنها أمر إلهي للنبي ﷺ، وجاء الأمر بها مقرونًا بتحذير من تجاوز الحدود: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾. ثم جاء في الآية التالية تحذير آخر: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وكأن في الآيتين تنبيهًا إلى موضعين قد يختبر فيهما الإنسان استقامته: حين تتسع الدنيا، وحين تضيق.
فحين تتسع الدنيا، قد تغري القوة والمال والجاه الإنسان بتجاوز حدوده، فيظلم القويُّ الضعيف، ويستغل صاحب الجاه مكانته، ويتجاوز صاحب المال حدود الاعتدال.
وحين تضيق الدنيا، قد يضعف الإنسان أمام الخوف أو المصلحة، فيميل إلى أهل الظلم أو يتنازل عن بعض مبادئه طلبًا لما عندهم.
فالاستقامة ليست موقفًا يظهر في الظروف السهلة فقط، وإنما ثبات على الحق في السعة والضيق.
وما الذي يعين الإنسان على هذا الثبات؟
أرى أن يكون له مبدأ واضح يدور حوله. فالمبدأ هو الذي يمنح المواقف المختلفة معنى واحدًا، ويجعل للإنسان معيارًا يرجع إليه حين تتغير الظروف وتتشابك المصالح.
وحين يستقيم الإنسان على مبدأ واضح، لا يصبح النجاح عنده مجرد وصول إلى منصب، ولا يصبح المال غاية في ذاته، ولا تتحول المصيبة إلى سبب للانهيار؛ لأن وراء هذه الأشياء كلها معنى أكبر يضبط نظرته إليها.
وهذا الثبات هو الذي يمنح الحياة قدرًا من الانسجام، ويجعل أفعال الإنسان امتدادًا لقيمه، لا مجرد استجابات للظروف.
كلمتان تختصران طريقًا طويلًا:
آمنت بالله، ثم استقمت.
وأحب أن أسمع منكم: أيّ الحالين أشد على النفس في رأيكم: الثبات في السعة أو الثبات في الضيق؟
وفي الإشراقة القادمة، بإذن الله، نقف مع قوله تعالى:
﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾
من كتابي «في إشراقة آية»، الفصل الثالث.
د. عبد الكريم بكار
26