مقامة الصَّداقة
#أدبُ_المقامات
(مقامة الصداقة)
رأيتُ في ما يرى النَّائم أنّ أبي- عليه رحمات الله ومغفرته- جاءني وقال يابنيَّ يا أبا محمّد: إنّ الله خلق الصّداقة والصِّدق، وجعل بينهما رحماً بالفعل وبالنُّطق.
فلا صداقة تكون إلّا بصدق يصون. فالصَّداقة ليست بالكثرة، ولا بطول العِشرة. فكم من صحبة حَبُّها طالح، وحبلُها المصالح، والمواقف هي الكواشف، وليست الجلسات والسَّوالف، ففي الأزمات تُكشفُ العزمات، وعلى الإرتحال تُعرف الرجال. وإذا احلولكَ ليلُك أراكَ من حولك، فمنهم من تراهُ بطنًا يأكلك، ومنهم من تراهُ ظهرًا يسندك. وإذا عرضت عودَ أصحابكَ على نارِ ما أصابك، فمنهم من يفوح منه عِرْفانُ الإخلاص، فيشفي صدرك، ويكشف همَّك، ومنهم من يفوح منه دخانُ الخَلَاص فيعمي طرفكَ، ويكثِّف غمَّك. وإنّي قد خبرت الأيام من قبلك والنّاس، فهم معادن وأجناس، ولهم على النوائب عواقب، فمنهم من طارَ وذهب، ومنهم من صار ذهب.
فيا بنيَّ لا تجزع مما يقع، ولا يغرَّنك كلُّ ما يلمع، فإنّي رأيتُ بعضَ المكثرين من الأخِلّاء صاروا بعد الإمتلاء خَلاء، ورأيت الصّاحب الوحيد كيف كان لصاحبه عضيد ولو كان عنه بعيد.
قفلت له وهو يودِّع و عينايَ تُدمِّع رحمك الله ياأبي فمنك النَّثْرُ ومنِّي الشِّعر:
تُزانُ الرّجالُ بعقلٍ وحلمِ
ودينٍ وعلمٍ على النَّاس يُنمي
وليس بقِشْرٍ يُزخرفُ قُبْحاً
وليس بطولٍ وعرضٍ لجسمِ
ويُعرفُ عودُ الرجالِ إذاما
بنار المواقف تَبْلُو وتَحْمي
فإمّا شذاهُ لهمِّك يجلو
وإمّا دخانٌ لطَرْفِك يَعمي
تراه جسيماً على الهول قزماً
بأحجار عُذرٍ لودِّكَ يرمي
وقد شيَّبَ العمرُ فوديهِ لوناً
له فُعلُ غُمْرٍ وإرشادُ وَهْمِ
فلا يَخدعنَّكَ بارقُ صيفٍ
فإنّه خَطْفٌ وما كانَ يهمي
✍️د.نعمان دناور
#مقامة_الصَّداقة
#قوافٍ_على_بحور_الشام

8 مشاهدة